عادات و تقاليد

عادة البشعة: محكمة النار في ثقافة القبائل العربية

أسماء صبحي – في عمق الصحراء العربية، حيث لا توجد محاكم رسمية ولا مؤسسات حديثة. نشأت تقاليد قضائية ذات طابع فريد، تهدف إلى الحفاظ على السلم الأهلي، ورد الحقوق، وتحقيق العدالة داخل المجتمعات البدوية. ومن بين هذه التقاليد تبرز عادة البشعة. وهي عادة عربية قديمة تقوم على اختبار بدائي يستخدم للكشف عن الكذب في القضايا الكبرى التي تعجز القوانين العرفية الأخرى عن حسمها.

وتعد البشعة جزءًا من منظومة متكاملة من القضاء العرفي الذي كان وما زال يشكل العمود الفقري لتنظيم الحياة في الكثير من المجتمعات القبلية في مناطق مثل شبه جزيرة سيناء، وصحراء النقب، وبعض المناطق في الأردن والسعودية.

ما هي عادة البشعة؟

البشعة هي طقس قضائي تقليدي يتم استخدامه عندما يتعذر إثبات الحقيقة بالأدلة والشهود خصوصًا في قضايا الشرف والقتل والسرقة. ويعتبر هذا الطقس اختبارًا نهائيًا يلجأ إليه بعد فشل جميع محاولات التسوية والتحكيم القبلي. ويعتمد هذا الطقس على مبدأ رمزي شديد القوة في الثقافة البدوية، وهو أن النار لا تكذب، ولا تحرق من يقول الحق.

يقوم المتهم بلعق قطعة معدنية مسخنة بالنار – غالبًا ما تكون ملعقة أو سكين – بعد أداء يمين صريح بأنه بريء. فإذا أصيب اللسان بالحرق وظهرت عليه آثار واضحة، يعتبر المتهم كاذبًا. أما إذا خرج من الاختبار دون أذى، فإن ذلك يعد دليلًا على براءته. ويتم هذا الطقس في جو علني، وأمام جمهور من أفراد القبائل المتخاصمة. ويشرف عليه رجل مختص يطلق عليه “المبشع”، وهو شخص ذو خبرة ونزاهة معترف بها داخل القبائل.

أصل التسمية ودلالاتها الثقافية

يرجح أن لفظ “البشعة” مشتق من الفعل “بشع”، أي “كوى”، أو “لصق شيئًا ساخنًا بشيء آخر”. كما أن الكلمة قد تحمل في عمقها دلالة رمزية تتعلق بتشويه أو كشف المستور. إذ أن الفكرة تقوم على إظهار الحقيقة الكامنة من خلال تأثير النار.

وفي المجتمعات البدوية، لا تعد البشعة مجرد اختبار حراري، بل هي طقس يحمل قيمة أخلاقية وروحية عالية. إذ أن الشخص الذي يقبل بالخضوع للبشعة يكون إما صادقًا إلى أقصى درجة أو مقامرًا بشرفه أمام الجميع. لهذا السبب، تعتبر البشعة أيضًا أداة ضغط نفسي رهيبة. وقد تجبر الكاذب على الاعتراف بالحقيقة قبل أن يصل إلى لحظة الاختبار.

مكانة المبشع ودوره في الطقس

يحتل “المبشع” مكانة مرموقة داخل القبائل، إذ أنه ليس فقط القائم على الطقس. بل هو أيضًا الشخص الذي يحدد إن كان المتهم مؤهلًا للخضوع للبشعة أم لا. وعادة ما تنتمي مهنة المبشع إلى عائلة بعينها تتوارث هذا الدور جيلًا بعد جيل وتعرف بالحياد والصدق والهيبة. ولا يسمح لأي شخص بمزاولة هذا الدور دون اعتراف رسمي من زعماء القبائل الأخرى.

يقوم المبشع بتحضير قطعة المعدن وتسخينها حتى الاحمرار. ثم يطلب من المتهم لعقها ثلاث مرات متتالية أمام الحاضرين. بعد ذلك، يقوم المبشع بفحص لسانه بحثًا عن علامات الحرق، ومن خلال ذلك يصدر حكمه. وتعتبر كلمته نهائية ولا يمكن الطعن فيها أو مراجعتها، وهو ما يدل على عمق الإيمان الشعبي بهذه الآلية القضائية.

عادة البشعة في شبه جزيرة سيناء

في سيناء، لا تزال البشعة تمارس بين بعض القبائل البدوية حتى اليوم رغم تضاؤل استخدامها تدريجيًا في ظل تطور النظام القانوني الرسمي في مصر. وتستخدم غالبًا في قضايا مثل سرقة الإبل، أو اتهامات العرض، أو نفي نسب طفل، وهي قضايا ذات طابع حساس لا تقبل فيها الأخطاء.

ويعرف المبشعين في المنطقة على نطاق واسع، ويأتون إليهم من مناطق بعيدة طلبًا للحكم العادل. وأشهرهم ينحدرون من قبيلة السواركة، وهي واحدة من أكبر القبائل في سيناء.

وأكد الباحث المتخصص في الشؤون القبلية الدكتور أحمد عطية، أن عادة البشعة في سيناء تعد من أقدم أشكال القضاء العرفي التي صمدت حتى العصر الحديث ويقول: “البشعة ليست مجرد اختبار جسدي، بل هي نظام رمزي معقد يعكس التكوين الأخلاقي للمجتمع البدوي. كما إن خضوع المتهم لها طواعية يعد إعلانًا صريحًا عن استعداده للمحاسبة أمام الجميع. وهو ما يمنحها قوة معنوية تفوق سلطة القانون المكتوب أحيانًا.

البشعة في مجتمعات أخرى

لا تقتصر ممارسة البشعة على سيناء وحدها، بل توجد لها نسخ مماثلة أو قريبة في ثقافات بدوية أخرى. خصوصًا في جنوب الأردن والنقب الفلسطيني وجنوب السعودية. ومع أن التفاصيل قد تختلف من مكان إلى آخر، فإن المبدأ المشترك هو الكشف عن الكذب من خلال اختبار جسدي شاق، يقوم مقام الأدلة الغائبة أو الشهود الصامتين.

وفي بعض المناطق، تعرف هذه الممارسة باسم “القسَم بالنار”. وقد يرتبط بها عناصر أخرى من الثقافة المحلية، مثل الأيمان المغلظة أو طقوس التطهر قبل اللعق.

الجدل حول البشعة

رغم مكانتها في التاريخ البدوي، فإن البشعة لم تسلم من الجدل في العصر الحديث. فقد اعتبرها بعض الباحثين والمثقفين شكلاً من أشكال العدالة البدائية التي يجب تجاوزها. خاصة مع توافر مؤسسات قضائية معترف بها. ويرى هؤلاء أن البشعة قد تؤدي إلى ظلم الأبرياء بسبب الضغط النفسي أو الرهبة من النار.

من ناحية أخرى، يدافع عنها قطاع واسع من شيوخ القبائل باعتبارها “محكمة الشعب”. ومصدرًا للعدالة السريعة والفعالة في بيئة لا تتسم بالثقة الكبيرة في مؤسسات الدولة. ويؤكد هؤلاء أن البشعة لا تستخدم إلا في أضيق الحدود وبعد أن تفشل كل السبل الأخرى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى