تاريخ ومزارات

تماثيل بلا أذرع في مصر القديمة.. رمز غامض لقوة خفية وطقوس ما بعد الموت

دعاء رحيل 

لم تظهر الشخصيات المصابة بإعاقات جسدية كثيرًا في الفن المصري القديم، إذ اعتاد الفنانون على إظهار الأجساد في أبهى صورها المثالية، خصوصًا حين يتعلق الأمر بتصوير الآلهة أو الملوك، حيث سادت القاعدة التي تربط الكمال الجسدي بالمكانة العليا، لكن رغم هذه المثالية، ظهرت بعض الاستثناءات الواضحة منذ فترات ما قبل الأسرات واستمرت خلال العصور الأسرية، وتكشف هذه النماذج عن توجه فني مختلف، يظهر من خلال تصوير شخصيات بشرية تفتقر إلى الأذرع مع بقاء باقي الجسد سليمًا، وهو ما يشير إلى أن فقدان الأطراف لم يكن عشوائيًا، بل أتى ضمن رؤية رمزية محددة.

ظهور التماثيل بدون أذرع في مصر القديمة

وفي هذا الصدد قالت الدكتورة منى أبو المعاطي أستاذ مساعد بكلية الآثار جامعة القاهرة، أن هذه التماثيل التي خلت من الأذرع لم تكن مجرد تمثيلات هامشية، بل لعبت دورًا مهمًا في الطقوس الجنائزية، فقد وضعت بعض هذه النماذج بجوار المراكب الجنائزية أو داخل المقابر كأدوات روحية تمنح من خلالها البركة للمتوفى، مما يعكس ارتباطها بالعقيدة الدينية ومفاهيم الحماية.

ومع تطور الفن والطقوس عبر الدولة القديمة والوسطى والحديثة، تشير الأدلة إلى أن هذه الشخصيات ربما جسدت كيانات إلهية لها وظيفة مخصصة ضمن مشهد ما بعد الموت، فهذه الكائنات المجردة من الأذرع ربما مثلت طاقة روحية، أو حالًا من الخضوع المؤقت للقوة الكونية، واستعدادًا للعودة في الحياة الأخرى.

غياب الأذرع في هذه التماثيل قد يرمز إلى حالة من الضعف أو الانسحاب المؤقت للقوة، وهو ما يتماشى مع بعض المفاهيم المصرية حول رحلة الشمس خلال الليل، حين تمر بحالة من الانطفاء قبل أن تعود للسطوع مجددًا، أي أن هذه التماثيل يمكن أن تمثل مرحلة انتقالية بين الفناء والبعث.

وتشير بعض النماذج إلى أن تلك الكائنات شغلت دورًا محددًا لفترة معينة فقط، إذ توقفت عن أداء وظيفتها لفترة، ثم عادت لاستئنافها بعد الموت، وقد يكون لها دور حراسة المقابر أو تقديم الحماية الروحية للمتوفى خلال رحلته في العالم الآخر.

وتدعم النصوص الدينية مثل كتاب الأمدوات هذا التوجه، إذ أُشير إلى كائنات إلهية دون أذرع رافقت إله الشمس في رحلته الليلية، ما يمنح هذه التماثيل بعدًا طقسيًا مهمًا، وربما يكشف عن رمزية القوة الصامتة التي تترقب لحظة العودة.

تركز الدراسة على هذا النوع من التماثيل منذ نشأته، وتستثني النماذج التي قد تكون الأذرع فيها مخفية خلف العباءات أو بسبب الضرر، مؤكدة على أن الفنان قصد تصوير الجسد كاملاً دون أذرع كرمز لا كخلل، وهو ما يمنحها أهمية فنية ودينية تستحق مزيدًا من البحث والتحليل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى