يوسف العظمة في ميسلون.. عندما اختار وزير الحربية السوري الشهادة دفاعا عن كرامة الوطن
عندما خرج القائد يوسف العظمة، ابن حي الشاغور في دمشق وسليل إحدى العائلات الدمشقية العريقة ذات الأصول التركمانية، لمواجهة القوات الفرنسية في الرابع والعشرين من تموز عام 1920، أدرك تماما أنه يسير نحو الموت، لم يخدع نفسه بحسابات النصر العسكري، ولم يضع أمام عينيه إلا كرامة وطن رأى أن الدفاع عنه واجب لا يقبل التراجع.
من هو يوسف العظمة
بعد عامين كاملين من الجهود السياسية والوطنية، تمكن السوريون من صياغة دستور وطني حديث، لكن الاستعمار الفرنسي لم يسمح لهذا الإنجاز أن يعيش طويلا، لم يمض سوى خمسة أيام حتى بدأت القوات الفرنسية الزحف نحو بلاد الشام، تمهيدا لفرض السيطرة بالقوة في تلك اللحظة الحساسة، وافقت أطراف ماكرة على حل الجيش السوري الوليد، بينما ظن بعض السطحيين أن قرار يوسف العظمة بالمواجهة يمثل سذاجة عسكرية، تماما كما يفعل بعض الجاهلين اليوم عندما يتحدثون فيما لا يعرفون.
ولد الفريق يوسف العظمة ليكون أحد أبرز العقول العسكرية في زمانه، لم يكن مجرد ضابط عادي، بل امتلك خبرة عسكرية واسعة تشكلت عبر سنوات طويلة من الدراسة والخدمة، تخرج من كلية الحرب في الاستانة، ثم تابع دراسته في كلية الاركان العليا الالمانية، وشارك في قيادة الجيوش العثمانية في جبهات القفقاس وبلغاريا والنمسا، كما عمل مرافقا اول لوزير الحربية العثماني انور باشا، واكتسب من تلك التجارب معرفة عميقة بفنون الحرب وادارة المعارك.
لم يكن خروجه إلى ميسلون قرارا عاطفيا أو مغامرة غير محسوبة، بل مثل موقفا قياديا مدروسا أراد من خلاله أن يهز قلوب الرجال ويوقظ روح التضحية في نفوس عشاق الاوطان، كما اختار يوسف العظمة أن يقدم المثال بنفسه، فكان وزير الدفاع الوحيد في تاريخ المنطقة الذي تقدم الصفوف واقتحم الموت بإرادته، حتى تبقى كرامة الوطن أغلى من الحياة والمناصب الزائفة.
في معركة ميسلون لم يبحث يوسف العظمة عن نصر عسكري تقليدي، بل بحث عن انتصار الكرامة، عندما دخل الفرنسيون إلى سوريا عام 1920 حملوا معهم إنذارا واضحا، إما الاستسلام الكامل أو الزحف العسكري حتى دمشق، في تلك اللحظة كان القرار بيد وزير الحربية السوري يوسف العظمة.
عرف العظمة الحقيقة كاملة الجيش السوري كان ضعيفا، والسلاح قليل، والعدد لا يقارن بقوة الجيش الفرنسي، والنتيجة العسكرية بدت محسومة سلفا، كل الحسابات العسكرية التقليدية قالت له لا تقاتل لأن الهزيمة مؤكدة، لكنه لم ينظر إلى الارقام المجردة، بل نظر إلى معنى الكرامة في تاريخ الامم.
سأل نفسه سؤالا واحدا فقط، هل ستسجل دمشق في التاريخ كمدينة دخلها الاحتلال بلا مقاومة، ام كعاصمة دافعت عن نفسها حتى اللحظة الاخيرة، عندها وقف يوسف العظمة وأعلن موقفه الواضح، وقال إن من حق الامة أن تعرف أن لها جيشا قاتل.
لم يختبئ خلف الجدران ولم يلجأ إلى القصور، ولم يرسل الجنود وحدهم إلى الموت، بل تقدمهم بنفسه، خرج على رأس رجاله ليقاتل في الصفوف الاولى، وهو يعلم أن المعركة قد تنتهي بالشهادة.
في ميسلون وقف جيش فقير في العتاد أمام قوة عسكرية كبرى تمتلك الخبرة والسلاح والتنظيم، ورغم هذا الفارق الكبير قاتل يوسف العظمة وجنوده بشجاعة حتى اللحظة الاخيرة، سقط القائد شهيدا في ارض المعركة وهو في السادسة والثلاثين من عمره، لكن سوريا لم تسقط راكعة.
خسر يوسف العظمة المعركة عسكريا، لكنه أنقذ كرامة وطن كامل، عندما دخل الفرنسيون دمشق بعد المعركة دخلوها وهم يدركون أن هذه الارض لم تسلم بسهولة، بل انتزعت بالقوة بعد مقاومة قدم فيها السوريون دماءهم دفاعا عن استقلالهم.
لم يبحث يوسف العظمة عن نصر سريع أو مكسب سياسي مؤقت، بل أراد أن يرسخ معنى عميقا في ذاكرة الامة، وهو أن بعض الهزائم تصنع اعظم الانتصارات في التاريخ.
يوسف العظمة اسم ارتبط بالكرامة الوطنية في سوريا والعالم العربي، ولد عام 1884 في حي الشاغور بمدينة دمشق، ونشأ في اسرة دمشقية معروفة بالعلم والمكانة الاجتماعية، منذ شبابه توجه إلى التعليم العسكري، فالتحق بالمدرسة الحربية في اسطنبول وتخرج فيها ضابطا، ثم واصل دراساته العسكرية العليا في المانيا حيث تلقى تدريبات متقدمة في علوم الاركان والتخطيط العسكري.
خدم العظمة في الجيش العثماني خلال الحرب العالمية الاولى وشارك في عدة جبهات قتالية، ما منحه خبرة ميدانية كبيرة في قيادة الجيوش وادارة العمليات العسكرية، وبعد انهيار الدولة العثمانية عاد إلى دمشق وانضم إلى مشروع الدولة العربية التي قادها الملك فيصل الاول.
في عام 1920 تولى يوسف العظمة منصب وزير الحربية في الحكومة العربية السورية بدمشق، وكرس جهوده لتنظيم الجيش العربي السوري الناشئ وبناء مؤسسة عسكرية قادرة على حماية الدولة الجديدة، عارض العظمة بقوة مشروع الانتداب الفرنسي ورفض فكرة الخضوع للسيطرة الاجنبية.
شكلت معركة ميسلون في تموز عام 1920 اللحظة الاكثر تأثيرا في حياته، وجه الجنرال الفرنسي غورو انذارا واضحا للحكومة السورية طالب فيه بحل الجيش وقبول الانتداب الفرنسي، وقف يوسف العظمة ضد هذا الانذار ورفض الاستسلام المهين، فجمع ما استطاع من الجنود والمتطوعين وخرج لمواجهة الجيش الفرنسي المتجه نحو دمشق.
وقعت المعركة في منطقة ميسلون القريبة من دمشق في الرابع والعشرين من تموز عام 1920، قاتل يوسف العظمة بشجاعة في ساحة القتال حتى استشهد في ارض المعركة، وترك خلفه قصة خالدة عن الشرف العسكري والتضحية من اجل الوطن.



