مدينة ماري الاثرية.. عاصمة الفرات المنسية ومهد الادارة في الشرق القديم
أسماء صبحي– على الضفة الغربية لنهر الفرات شرقي سوريا، تقف اطلال مدينة ماري الاثرية المعروفة اليوم باسم تل الحريري. كواحدة من اهم المدن التاريخية التي لعبت دورا محوريا في نشوء الحضارة في الشرق الاوسط. ورغم ان اسمها لا يحظى بشهرة مدن كبرى مثل بابل او تدمر. الا ان ماري كانت في زمنها عاصمة سياسية وتجارية وادارية متقدمة سبقت عصرها بقرون طويلة.
تأسيس مدينة ماري الاثرية
تعود نشاة مدينة ماري الى الالف الثالث قبل الميلاد ويؤكد علماء الاثار انها لم تنشأ بشكل عفوي. بل بنيت وفق تخطيط عمراني مدروس مما يجعلها من اقدم المدن المخططة في التاريخ. فقد اقيمت على شكل شبه دائري، مع شبكة طرق منظمة ومرافق ادارية ودينية واضحة، وهو ما يعكس مستوى عاليا من التنظيم السياسي والاجتماعي.
اختير موقع ماري بعناية فائقة، اذ شكل نهر الفرات شريانا حيويا للتجارة والنقل وربط المدينة بمناطق واسعة تمتد من بلاد الرافدين جنوبا حتى الاناضول وبلاد الشام شمالا وغربا، لتتحول الى حلقة وصل اساسية بين حضارات كبرى.
قصر ملكي يكشف اسرار الحكم
يعد القصر الملكي في ماري من اعظم الاكتشافات الاثرية في الشرق الاوسط. اذ بلغت مساحته اكثر من 25 الف متر مربع، وضم مئات الغرف والساحات والمخازن وقاعات الاستقبال. ولم يكن القصر مجرد مقر للحكم، بل مركزا اداريا متكاملا تدار منه شؤون الدولة.
اللافت في هذا القصر هو اكتشاف الاف الالواح الطينية المكتوبة بالخط المسماري. والتي شكلت ما يشبه ارشيفا رسميا للدولة، وتضمنت هذه الالواح مراسلات سياسية، ومعاهدات، وتقارير اقتصادية، واوامر عسكرية. مما منح الباحثين فهما نادرا ودقيقا لطبيعة الحكم والادارة في تلك الحقبة.
مركز سياسي بين القوى الكبرى
لعبت ماري دورا سياسيا بالغ الاهمية، اذ كانت دولة مستقلة تارة، وحليفا او خصما للقوى الكبرى تارة اخرى مثل بابل واشور. وشهدت المدينة فترات ازدهار وصراع، خصوصا خلال حكم الملك زمري ليم، الذي يعد من اشهر حكامها. حيث بلغت المدينة اوج قوتها ونفوذها.
لكن هذا الموقع الاستراتيجي جعلها ايضا عرضة للاطماع، وفي القرن الثامن عشر قبل الميلاد. تعرضت ماري لهجوم مدمر على يد الملك البابلي حمورابي، الذي امر بتدميرها، لتدخل بعدها مرحلة طويلة من التراجع والاندثار.
حياة دينية وثقافية في مدينة ماري الاثرية
لم تكن ماري مركزا سياسيا فحسب، بل لعبت دورا دينيا وثقافيا مهما. حيث ضمت معابد مخصصة لعدة الهة، مثل الاله دجن وعشتار، وتعكس النصوص المكتشفة طقوسا دينية معقدة، ومكانة كبيرة للكهنة والعرافين في الحياة العامة.
كما تشير الجداريات والتماثيل المكتشفة الى تطور فني لافت، يظهر تداخلا بين التأثيرات السومرية والاكادية والامورية. مما يجعل ماري نموذجا للتفاعل الحضاري في الشرق القديم.
اكتشاف حديث لاهمية كبرى
اعيد اكتشاف مدينة ماري في ثلاثينيات القرن العشرين، عندما عثر احد سكان المنطقة مصادفة على تمثال اثري، مما قاد بعثات اثرية فرنسية الى الموقع، ومنذ ذلك الحين، كشفت الحفريات عن كنوز معرفية غيرت فهم المؤرخين لتاريخ المنطقة، خاصة فيما يتعلق بنشوء الدولة والبيروقراطية والعلاقات الدولية في العصور القديمة.
ويقول الدكتور جان كلود مارغورون، احد ابرز الباحثين في تاريخ ماري، ان هذه المدينة تمثل مختبرا حقيقيا لفهم بدايات الدولة المنظمة، موضحا ان الارشيف الضخم المكتشف فيها لا مثيل له من حيث التفاصيل والدقة، ويكشف عن مجتمع متقدم اداريا وسياسيا بشكل يفوق التوقعات لتلك الحقبة.



