حوارات و تقارير

القرى التراثية السعودية: كيف تعيد المملكة إحياء عمارة الطين والحجر؟

أسماء صبحي – في السنوات الأخيرة، شهدت المملكة العربية السعودية تحولًا كبيرًا في توجهاتها التنموية والثقافية. يتجسد أبرزها في الاهتمام المتزايد بالموروث المعماري والهوية البصرية للمجتمع السعودي. ومن بين هذه المظاهر البارزة، يأتي مشروع إحياء القرى التراثية في طليعة الجهود الوطنية لإعادة الاعتبار لعمارة الطين والحجر. التي لطالما ميزت أقاليم المملكة قديمًا وعبت عن خصوصية الحياة المحلية قبل اكتشاف النفط.

تعد القرى التراثية السعودية نموذجًا حيًا لفهم العلاقة المتبادلة بين الإنسان والبيئة. حيث استخدم الأجداد مواد البناء المتوفرة في الطبيعة كالطين، الحجر، وسعف النخيل. وشيدوا بها منازلهم وأسواقهم ومساجدهم بطريقة تتكيف مع المناخ المحلي وتلبي احتياجاتهم اليومية.

ما أهمية القرى التراثية؟

لا تعتبر هذه القرى مجرد مباني قديمة أو أطلال تاريخية. بل هي شواهد حية على عبقرية الإنسان السعودي في التأقلم مع الطبيعة، وبناء نمط حياة يتسم بالبساطة والاستدامة. ومع انطلاق “رؤية السعودية 2030″، التي أطلقتها القيادة السعودية عام 2016. ظهر توجه واضح لإعادة إحياء هذه القرى، ليس فقط كوجهات سياحية، بل كمراكز ثقافية واقتصادية وتاريخية تسرد حكاية المكان والإنسان.

وتؤكد الهيئة السعودية للسياحة أن إعادة ترميم وتأهيل هذه القرى يأتي في إطار استراتيجية شاملة للحفاظ على التراث الوطني وتطوير السياحة المستدامة. حيث تتم إعادة ترميم المباني وفق أسس العمارة التقليدية دون الإخلال بروح المكان

أمثلة على القرى التراثية التي أعيد إحياؤها

1. قرية رجال ألمع – عسير

تعتبر قرية رجال ألمع من أبرز القرى التراثية التي جرى ترميمها وتطويرها لتتحول إلى وجهة سياحية عالمية. وتقع في منطقة عسير جنوب غرب المملكة. وتتميز ببيوتها المبنية من الحجر الأسود، وتفاصيلها المعمارية الدقيقة، مثل النوافذ الملونة والنقوش الجدارية.

حصلت القرية على جائزة منظمة السياحة العالمية عام 2021 ضمن أفضل القرى السياحية..كما رشحت ضمن قائمة التراث العالمي التابعة لليونسكو. وتوفر القرية اليوم تجربة ثقافية وسياحية متكاملة، حيث يقام فيها مهرجان “رجال الطيب”. وتحتضن متحفًا ثقافيًا ومعارض للحرف التقليدية.

2. قرية ذي عين – الباحة

تقع هذه القرية الساحرة على سفوح جبال السروات، وتعود لأكثر من 400 سنة. سميت بـ”ذي عين” نسبة لعين الماء العذبة التي تتدفق من أعالي الجبال إلى وسطها. مبانيها مشيدة من الحجارة البيضاء، وتطل على وديان خضراء، مما يجعلها لوحة فنية طبيعية.

تم ترميم القرية مؤخرًا بدعم من وزارة الثقافة والجهات السياحية. وأصبحت اليوم موقعًا جذّابًا للزوار والمصورين وعشاق التراث. كما تضم القرية مركزًا للزوار ومسارات مشي ومقاهٍ تقليدية تحاكي روح المكان.

3. قرية الغاط التراثية – الرياض

على بعد حوالي 250 كيلومترًا شمال غرب الرياض، تقع قرية الغاط القديمة. وتعتبر من أهم القرى النجدية التي تحافظ على طابعها الطيني العتيق. وتشهد القرية أعمال ترميم واسعة شملت منازلها الطينية، وسورها التاريخي، ومسجدها العتيق.

أصبحت القرية اليوم مركزًا للمهرجانات الثقافية والمعارض التاريخية. وتستقطب السياح والمهتمين بالتصوير الفوتوغرافي والهندسة المعمارية القديمة.

لماذا العودة إلى عمارة الطين والحجر؟

تتميز عمارة الطين والحجر بقدرتها الفائقة على التكيّف مع الظروف المناخية القاسية. فالطين يحتفظ بالبرودة في الصيف، والدفء في الشتاء، مما يجعله خيارًا مثاليًا للمناطق الصحراوية. كما أن الحجر يمنح المبنى صلابة وثباتًا، وقدرة على مقاومة عوامل التعرية.

وتعد عمارة الطين والحجر نموذجًا للعمارة المستدامة. لأنها تعتمد على مواد طبيعية متوفرة محليًا دون الحاجة لاستيراد مكونات صناعية. مما يقلل من الانبعاثات الكربونية ويخفض التكلفة البيئية.

كما يعيد الاهتمام بهذه العمارة إحياء الذاكرة الجمعية، وربط الأجيال الحديثة بماضيها الحضاري. فكل منطقة من مناطق المملكة لها طابع معماري خاص، يعكس خصوصياتها البيئية والثقافية. فنجد البيوت الحجرية في الجنوب، والطينية في نجد، والمشربيات الخشبية في الحجاز.

دور وزارة الثقافة وهيئة التراث

أطلقت وزارة الثقافة السعودية مبادرة “إحياء القرى التراثية” ضمن خطتها الإستراتيجية لحماية التراث الثقافي المادي وغير المادي. وتشرف هيئة التراث بالتعاون مع وزارة السياحة على تنفيذ المشاريع، وتوفير الدعم اللوجستي والمالي للمجتمعات المحلية، لتكون شريكة في التطوير.

وقد أنشئت منصات رقمية توثق معلومات هذه القرى، مثل بوابة “تراث” التي تقدم قاعدة بيانات شاملة للتراث العمراني السعودي.

القرى التراثية والسياحة الثقافية

تعتبر القرى التراثية إحدى ركائز السياحة الثقافية في المملكة. وهي نمط جديد من السياحة يركز على تجربة الزائر الثقافية، والمعيشة وسط بيئة تقليدية. وتذوق الأطعمة المحلية، والمشاركة في الحرف الشعبية والمناسبات الفولكلورية.

وقد أدرجت الهيئة السعودية للسياحة أكثر من 20 قرية تراثية ضمن خارطة “روح السعودية” السياحية. والتي تستقطب آلاف الزوار من الداخل والخارج سنويًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى