الشيخ علي عبد اللطيف.. ابن بني سويف الذي أشعل الثورة في السودان
أسماء صبحي – قد يبدو اسم الشيخ علي عبد اللطيف أكثر ارتباطًا بتاريخ السودان منه بتاريخ مصر. لكن القليلين يعلمون أن جذور هذا القائد الثوري تعود إلى محافظة بني سويف. حيث ولد والده في إحدى قرى المحافظة قبل أن ينتقل إلى السودان في عهد الجيش المصري هناك.
وتعد سيرة علي عبد اللطيف واحدة من أكثر السير المثيرة للدهشة. إذ يعد من أبرز رموز النضال السوداني ضد الاستعمار البريطاني. وكان أول من دعا لاستقلال السودان في العصر الحديث، بل وكان يلقب بـ”مصطفى كامل السودان”.
الجذور المصرية لـ الشيخ علي عبد اللطيف
ولد علي عبد اللطيف عام 1896 في حي الموردة بمدينة أم درمان السودانية. والده، عبد اللطيف محمد، كان جنديًا في الجيش المصري من أصول ريفية مصرية تعود إلى محافظة بني سويف، تحديدًا من مركز “الفشن”. وقد انتقل إلى السودان ضمن القوات المصرية إبان حكم الخديوي إسماعيل.
نشأ علي في بيئة عسكرية متأثرة بالروح المصرية، لكنه سرعان ما تشبع بروح الوطنية السودانية. التي كانت تتصاعد ضد الاستعمار البريطاني خاصةً بعد الثورة المهدية. وتعلم في المدارس العسكرية وأبدى تفوقًا كبيرًا أهله للالتحاق بالكلية الحربية. حيث تخرج ضابطًا في الجيش السوداني التابع للإدارة البريطانية المصرية.
التحول من ضابط إلى ثائر
رغم انضمامه إلى الجيش، سرعان ما بدأ علي عبد اللطيف يدرك حجم التمييز الذي يتعرض له السودانيون من قبل الإدارة الاستعمارية. وكان من أوائل من كتبوا عن “الظلم الاجتماعي والسياسي” الذي تتعرض له البلاد. وطالب بالمساواة بين المصريين والسودانيين، واستقلال السودان عن التاج البريطاني.
في عام 1921، أسس جمعية اللواء الأبيض، التي أصبحت لاحقًا نواة الحركة الوطنية السودانية. وكانت مطالب الجمعية واضحة:
- طرد الاحتلال البريطاني.
- تمكين السودانيين من الحكم الذاتي.
- وحدة مصر والسودان كدولتين مستقلتين.
وقد ألهمته التجارب الوطنية المصرية، خصوصًا ثورة 1919. وكان يكن إعجابًا كبيرًا بسعد زغلول، ويستشهد بكلماته في خطاباته.
ثورة 1924 ومواجهة الاستعمار
في عام 1924، قاد علي عبد اللطيف أول مظاهرة وطنية كبيرة في شوارع الخرطوم. وردد فيها المتظاهرون شعارات تطالب بخروج الإنجليز، وسقوط الإدارة المزدوجة. وردًا على ذلك، اعتقل علي عبد اللطيف مما أشعل موجة غضب أدت إلى تمرد داخل الجيش السوداني، شارك فيه ضباط وجنود سودانيون.
قمع التمرد بقوة، وأعدم عدد من الضباط، ونفي علي عبد اللطيف إلى مصر. حيث وضع في سجن طرة. ثم نقل لاحقًا إلى سجن في منطقة النوبة، حيث قضى باقي حياته في عزله حتى وفاته عام 1948.
دور الشيخ علي عبد اللطيف في الاستقلال
رغم أن حياته انتهت في السجن، فإن فكر علي عبد اللطيف ظل حيًا في وجدان الشعب السوداني. وكان ملهمًا للجيل الذي قاد السودان إلى الاستقلال في عام 1956. وقد صرح الرئيس السوداني الأسبق إسماعيل الأزهري في أكثر من مناسبة أن: “علي عبد اللطيف هو الأب الحقيقي للحركة الوطنية السودانية. وهو من أيقظ فينا الحلم بالحرية”.
وفي عام 1960، نقل جثمانه من السجن إلى مقبرة الشهداء في أم درمان، في جنازة رسمية وشعبية ضخمة، شارك فيها الآلاف.
ويقول الدكتور أحمد سيد محمد، أستاذ التاريخ الحديث بجامعة بني سويف: “رغم أن علي عبد اللطيف لم يعش في بني سويف. فإن أصوله تؤكد على التداخل الكبير بين مصر والسودان في تلك الفترة. وهو مثال على كيفية لعب أبناء بني سويف أدوارًا خارج حدود محافظتهم، بل وحدود وطنهم، عبر التاريخ”.
ويضيف أن الشيخ علي عبد اللطيف يشبه في كثير من الجوانب مصطفى كامل. فكلاهما شاب ثائر، كاتب، مفكر، وقائد سياسي، وقد تبنى قضايا أمته قبل أن يتجاوز الثلاثين.
تكريم متأخر
رغم تهميش اسمه لفترة طويلة، عيد الاعتبار للشيخ علي عبد اللطيف بعد استقلال السودان. وأطلق اسمه على عدة شوارع ومدارس في الخرطوم وأم درمان. كما نصب له تمثال شهير في شارع الجامعة حيث كان يخطب في مظاهرات 1924.
وفي عام 2019، خلال الاحتجاجات السودانية التي أطاحت بالرئيس عمر البشير. رفعت صوره في الساحات بوصفه “الرائد الأول للحرية” ما يدل على أن رسالته لم تندثر، رغم مرور نحو قرن على وفاته.



