قتلة الأنبياء.. من هم وأسباب قتلهم للرسل؟

على الرغم من أن الله سبحانه وتعالى كان يختار أنبياءه من أطهر الناس وأحسنهم خلقًا، إلا أن هناك من الأقوام من تميزوا بإهانة هؤلاء الأنبياء وإذلالهم، بل وقد يصل بهم الأمر إلى قتلهم، فمن هم أولئك الذين اقترفوا هذه الجرائم؟ وأي عقيدة كانوا يتبعون؟
من هم قتلة الأنبياء ؟
يتساءل الكثيرين عن “من هم قتلة الأنبياء؟” تشير إلى قوم اليهود، نظرًا لما عرف عنهم من وحشية وسفك للدماء.
فمنذ أن بعث الله إليهم الرسل لدعوتهم إلى التوحيد وعبادته وحده، لم يقتصر ردهم على التكذيب أو الإعراض، بل بالغوا في إذلال الرسل وإهانتهم، ووصل بهم الحال إلى قتلهم دون أدنى رحمة، حتى قيل إنهم قتلوا نحو ثلاثمائة نبي في يوم واحد، ثم أقاموا سوقًا في المساء وكأن شيئًا لم يكن.
ولهذا استحقوا الذم الإلهي في كتابه الكريم، وحكي عنهم أنهم بعد أن كانوا آمنين في أوطانهم، تفرقوا في الأرض بلا مأوى ولا قرار، وتوعدهم الله بالعذاب الأليم.
أنبياء قتلوا على يد بني إسرائيل
أحد أبرز الأنبياء الذين قتلهم بنو إسرائيل كان نبي الله أشعياء عليه السلام، الذي أرسله الله إليهم ليذكّرهم بنعمه ويحثّهم على شكره. وبعد أن أنهى موعظته لهم في يوم من الأيام، قرروا قتله، فهرب منهم، لكنهم طاردوه وأمسكوا به، ثم شقّوه إلى نصفين بمنشار.
ولم يكن أشعياء وحده من نال هذا المصير، فقد قتل على أيديهم أيضًا أنبياء آخرون مثل أرميا، دانيال، حزقيل، وعاموص عليهم السلام، وكلهم كانوا يعيشون في نفس الحقبة تقريبًا.
بعد مقتل أشعياء، أوكلت مهمة الدعوة إلى الله لنبي الله أرميا عليه السلام، في عهد الملك بختنصر، لكن بني إسرائيل كذبوه وسجنوه، ثم أجهزوا عليه وقتلوه بدم بارد.
أما دانيال عليه السلام، فقد كان من جملة من سبوا على يد بختنصر، وعندما نقل إلى مصر، أقدموا على قتله هناك. أما نبي الله حزقيل فتم اقتياده إلى بابل حيث قتلوه ودفنوه.
وكانت من أبشع الجرائم تلك التي ارتكبوها بحق نبي الله زكريا وولده يحيى عليهما السلام، حيث قتلوهما بطريقة شنيعة، مما يُظهر بجلاء مدى وحشية بني إسرائيل ويؤكد على هويتهم كقتلة الأنبياء.
أسباب قتل بني إسرائيل للأنبياء
الدوافع التي كانت تحث بني إسرائيل على قتل الأنبياء تكشف عن تمسكهم بمصالحهم الدنيوية ورفضهم لهدي السماء.
ومن أكثر الأسباب الفاضحة التي دفعتهم لقتل نبي الله يحيى عليه السلام قضية “زواج المحارم”، حيث كان هناك ملك في دمشق يرغب بالزواج من امرأة محرّمة عليه، فعارضه يحيى عليه السلام وحذره من هذا الفعل المشين.
لم يتراجع الملك، بل طلب من العروس أن تهديه رأس يحيى مهرًا لها، فقتلوه وقدموا لها رأسه مضرجًا بالدم.
أما زكريا عليه السلام، فكان يُصلي في المحراب حين قتل ابنه، وحين حاول الهرب من القتلة انشقت له شجرة ليختبئ فيها، لكن الشيطان دلّ القتلة على مكانه، فقطعوا الشجرة بمنشار وهو بداخلها، كما فعلوا مع أشعياء عليه السلام من قبل.
بني إسرائيل والمسيح عيسى ابن مريم
بذل بنو إسرائيل محاولات عديدة لقتل المسيح عيسى عليه السلام، خاصة بعد أن بدأ الناس يدخلون في دعوته، ومنهم عدد من اليهود، ما أضعف سلطتهم الدينية وأفقدهم بعض أتباعهم.
ولما رأى الملك هيرودس المعجزات التي أيده الله بها، ومنها إحياء الموتى، دب فيه الغضب، وبتحريض من بعض أحبار اليهود قرروا القضاء عليه.
فهاجموا بيت مريم عليه السلام ليمسكوا به، ولكن الله ألقى الشبه على رجل آخر، فظنوه المسيح، وأخذوه، ووضعوا على رأسه تاجًا ذهبيًا، وسحبوه على جريدة خضراء، ثم طافوا به في المدينة موثقًا، حتى صلبوه مع اثنين من اللصوص.
غير أن القرآن الكريم نفى هذا في قوله تعالى:
(وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ) [النساء: 157]
(بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ) [النساء: 158].
أذى اليهود للنبي الكريم
امتد أذى بني إسرائيل حتى طال النبي محمدًا صلى الله عليه وسلم، رغم إدراكهم أنه مرسل من الله بالحق.
يقول الله تعالى:
(الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) [البقرة: 146].
وبعد فتح خيبر، أبقى النبي بعض اليهود لرعاية البساتين مقابل نصف المحصول. غير أن إحدى النساء اليهوديات، وكانت قريبة من أحد زعمائهم، قدّمت له شاة مسمومة، وعندما ذاق منها النبي جزءًا يسيرًا، أدرك أنها مسمومة وتوقف عن أكلها.
استدعى المرأة فاعترفت، وقد كان أحد الصحابة، بشر بن البراء، قد أكل منها وتوفي، بينما عانى النبي صلى الله عليه وسلم من آثار السم حتى وفاته.
ولم تتوقف مكائد اليهود خلال فترة الدعوة النبوية، فقد حاولوا إيذاءه مرارًا، وأظهروا تعطشهم الدائم لسفك دماء الدعاة إلى التوحيد.
دليل قتل الأنبياء في القرآن الكريم
كان بنو إسرائيل يطلبون من الله الهداية، بينما يضمرون الشر والكذب لأنبيائه، ولهذا فضحهم الله في كتابه، وكشف عن صفاتهم السيئة التي كانت من أبرزها الكذب على الله وتحريف كلامه.
قال تعالى:
(وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ…)
(…وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) [آل عمران: 78].
وأشار سبحانه وتعالى إلى فعلهم الشنيع في آيات أخرى:
(وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ) [البقرة: 61].
كما توعدهم بالعقاب في قوله تعالى:
(إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ… فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) [آل عمران: 21].
وهكذا يتضح من خلال القرآن الكريم والسنة النبوية والتاريخ أن بني إسرائيل كانوا في طليعة من ارتكبوا جريمة قتل الأنبياء، رغم ما حباهم الله به من نعم وخيرات لا تُعد، إلا أنهم لم يقابلوا ذلك بالشكر، بل بالجحود والعصيان.



