الرايات السوداء ترفع لواء العباسيين نحو الخلافة
انطلقت الدولة العباسية بعد أن أسقط العباسيون الدولة الأموية وأقاموا سلطتهم على أنقاضها، مستندين إلى تخطيط دقيق وتحركات مدروسة، حيث بدأ العباسيون دعوتهم من الكوفة، حيث تعاطف الكثيرون مع آل البيت، ثم وجهوا أنظارهم نحو خراسان، وهي منطقة مهمة بسبب تنوعها السكاني ونفوذ القبائل العربية فيها، كما استفادوا من الخلافات القبلية هناك، فنجحوا في كسب دعم الموالي، ما منحهم قوة شعبية وعسكرية كبيرة، كما تولى أبو مسلم الخرساني قيادة هذه الحركة الثورية، فقادها بخبرة وحسم، وأسهم في تأسيس الدولة العباسية التي كانت واحدة من أقوى الدول الإسلامية في التاريخ.
أبو مسلم الخرساني رجل الثورة والدم
عرف الناس أبا مسلم الخرساني باسم حركي، بينما اسمه الحقيقي إبراهيم بن عثمان، وقد عاش في بلاد فارس رغم أن أصله ليس خرسانيا، كانت خراسان تضم مزيجا من العرب والفرس والترك، وهذا التنوع ساعد على انتشار الدعوة العباسية، كما غير اسمه لاحقا إلى عبد الرحمن، وذكره الحافظ الذهبي بأنه القائد الذي هزم جيوش بني أمية وأقام الدولة العباسية، وولد عام 100 هجريا، واختلف المؤرخون حول نسبه، لكنه نشأ في قرية قرب أصفهان، وكان والده فارسي الأصل وأمه أمة، كما انتقل إلى الكوفة، حيث انخرط في الأجواء المؤيدة لآل البيت وتأثر بفكر الشيعة العلوية، ثم التحق بالحركة العباسية وصعد في مراتبها حتى صار قائدها الأعلى.
دخل أبو مسلم التاريخ الإسلامي كأحد أبرع القادة وأكثرهم تأثيرا وصفه المؤرخون بأنه قصير القامة، أسمر البشرة، عريض الجبهة، جميل اللحية، طويل الشعر، أحور العينين، ذو صوت خفيض لكنه فصيح في العربية والفارسية، امتلك مهارات بلاغية، وكان راوية للشعر تميز بالدهاء والصلابة، وعرف بالحزم والحنكة العسكرية، فصار من أقوى رجال الدولة العباسية، لقبوه بأمير آل محمد، لكنه أيضا ارتبط في الذاكرة بسفك الدماء، حيث نسبت إليه مجازر ذهب ضحيتها آلاف، ويقال إنه تاب عن ذلك قبل وفاته.
من خراسان إلى الكوفة ثم الزاب
بدأت المواجهات بين أبي مسلم وقوات بني أمية من خراسان، فهزم الوالي الأموي نصر بن سيار، وسيطر على مدينة مرو سنة 129 هجريا، لم تتوقف قواته هناك، بل واصلت تقدمها، فسيطرت على نيسابور وطوس، ثم تحركت غربا نحو العراق، وفي عام 130 هجريا، دخلت الكوفة بقيادة قحطبة بن شبيب، وهو من أبرز رجال أبي مسلم، كما كان ذلك مقدمة للمعركة الكبرى التي حددت مصير الدولة.
الزاب الكبرى وبداية عهد جديد
جاءت اللحظة الحاسمة في عام 132 هجريا، عندما وقعت معركة الزاب الكبرى بين العباسيين بقيادة عبد الله بن علي، عم الخليفة أبي العباس، وبين الأمويين بقيادة الخليفة مروان بن محمد، كما انتهت المعركة بهزيمة مروان، فدخل العباسيون الكوفة، وأعلن أبو العباس السفاح نفسه خليفة، مؤذنا بولادة الدولة العباسية.
استمرت الحملة العباسية بملاحقة فلول الأمويين، وقُتل معظمهم، إلا أن عبد الرحمن بن معاوية تمكن من الفرار، واتجه إلى الأندلس، حيث أسس الإمارة الأموية التي ظلت قائمة لقرون هناك.



