تاريخ ومزارات

أسرار أمير الإسطبل قاني باي الرماح ومدرسته التي تحدت الزمن

كان قاني باي الرماح من أبرز قادة المماليك في عهد السلطان الأشرف قايتباي، واستمر نفوذه حتى عصر السلطان قنصوة الغوري، كما بدأ حياته جنديًا تحت راية السلطان قايتباي، ثم صعد بثبات حتى نال منصب أمير أخور، وهو منصب بالغ الأهمية تولى فيه مسؤولية الإسطبلات السلطانية وخيول الجيش، هذا المنصب اعتبر من أرفع المراتب في الدولة المملوكية نظرًا لأهمية الخيل والفرسان في المعارك، حيث ارتبط قاني باي بعلاقات أسرية قوية داخل البلاط المملوكي، فكان صهرًا للأمير يشبك من مهدي الدوادار، أحد أعمدة الدولة العسكرية والمعمارية، والذي شيد معالم بارزة بالقاهرة مثل القبة الفداوية في العباسية.

من هو قاني باي الرماح 

سجّل المؤرخ ابن إياس في كتابه بدائع الزهور وصفًا لقاني باي بأنه أمير مهاب الجانب، إلا أن السلطان قنصوة الغوري لم يكن يطمئن إليه، وشعر بالارتياح بعد وفاته سنة 921 هجريًا، هذا التوجس جاء نتيجة اضطرابات داخلية تسبب بها بعض الأمراء، وكان قاني باي أحدهم، حسب وصف المؤرخ، ورغم ما امتلكه من نفوذ، فإن ابن إياس لم يغفل عن ذكر جوانب سلبية في سيرته، وعلى رأسها ظلمه خلال قيادته لحملتين على مدينة حلب، الأولى سنة 913 والثانية سنة 920 هجريًا، فالأولى جاءت لتأمين الجبهة الشرقية ضد تهديد إسماعيل الصفوي، والثانية استعدادًا لاحتمال مواجهة مع السلطان العثماني سليم الأول خلال هاتين الحملتين، تسبب قاني باي وعسكره في إحداث حالة من الغضب الشعبي بين أهالي حلب، نتيجة التجاوزات التي ارتكبوها بحق السكان.

وسط هذا المشهد السياسي والعسكري المتشابك، قرر قاني باي أن يترك بصمة معمارية تخلد اسمه، شيد مدرسته عام 911 هجريًا في مرحلة متأخرة من عمر الدولة المملوكية، حين بلغت فنون الزخرفة والتزيين المعماري ذروتها، رغم تراجع القوة السياسية للسلطنة لم تتمتع المدرسة بضخامة منشآت سابقة مثل مسجد السلطان حسن أو البيمارستان المنصوري، لكنها عكست مهارة فنية رفيعة في التصميم والزخرفة، اختار قاني باي موقع مدرسته بدقة في ميدان القلعة، المكان الذي لطالما احتضن استعراضات المماليك ومهاراتهم في الفروسية، فكان المكان متصلًا بحياته المهنية، واختار أن يكون أيضًا موضع دفنه.

ومع مرور الزمن، تدهورت حالة المدرسة، وانهارت أجزاء منها، خاصة المئذنة التي سقطت حوالي عام 1870، كما تدخلت لجنة حفظ الآثار العربية في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين لإحياء المبنى، وفي عام 1914 أزالت اللجنة الدكاكين التي حجبت الواجهة، وأعادت ترميمها بالكامل، كما أزالت سقفًا مضافًا غطى صحن المدرسة، وأعادت بناء الإيوان الغربي، كما تم تدعيم الأساسات للحفاظ على استقرار البنية وفي عام 1939، أعيد بناء المئذنة بشكل مطابق لما كانت عليه، بالاستعانة بصور أرشيفية دقيقة، مما أضفى على المبنى طابعًا أصيلًا.

مدرسة قاني باي الرماح لم تكن مجرد مبنى ديني وتعليمي، بل كانت شاهدًا على مرحلة سياسية حساسة من تاريخ المماليك، وعلى شخصية أمير جمع بين قوة النفوذ وتقلبات المزاج، كما شكلت المدرسة آخر ملامح العظمة المملوكية في فنون العمارة، وبقيت حتى اليوم ترمز إلى قدرة الإنسان على ترك بصمة خالدة، رغم العواصف التي تحيط بحياته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى