حوارات و تقارير

تاريخ أقدم حجر صحي وبيطرى في سيناء.. ومشفى الكرنتينة وقلعة العريش

حاتم عبد الهادي

برع المصريون القدماء في مجال الطب، وخاصة الطب البيطرى، للعناية بالإبل والخيول بإعتبارهما سلاح المعركة ضد القبائل المغايرة، و لأهمية الجمل والناقة والخيول في حياة البدوى بصفة عامة، فلقد أولى المصرى القديم الحيوانات كثير من الرعاية والعناية، وتعهدوا بتطبيبها؛ وكان هناك أطباء مختصون بعلاجها، وذلك لما مثلته لهم من قيمة مقدسة، بإعتبارها مصدراً للطعام والغذاء؛ ودليلاً ورمزاً إلى الخير والنماء؛ لذا وجدنا في الآثار القديمة حيوانات محنطة مثل الآلهة؛ وهذا دليل تقديسها ورمزيتها لجلب العطاء والخير كذلك، ولقد كان على رأس هذه الآلهة العجل المقدس «آبيس»؛ وإلهة «حتحور»؛ «باستت»، والتى إتخذت شكل القطة؛ ولقد إهتموا بتربيتها وعلاج أمراضها، عن طريق الأعشاب والعلاجات بالأدوية والعقاقير كذلك، وكان من مظاهر إهتمامهم الشديد بها أن نقشوا صورها على البرديات القديمة؛ وعلى جدران المعابد.

 

مدرسة برعنخ

تعد أول مدرسة للطب البيطرى في العالم، إذ إهتم المصريون القدماء بعلاج الحيوانات وكانت هناك بيوتا ملحقة بالمعابد تسمى «بيوت الحياة» ، «بر عنخ» هو مصطلح غاية فى الأهمية، كان له دور مهم فى الحضارة المصرية القديمة، ومعناه «بيت الحياة»، وهو مبنى ملحق بالمعابد الكبرى، وكان هذا المبنى مؤسسة للأعمال العلمية والدينية عند المصريين القدماء، أى مدرسة لتعلم الكتابة وتخريج الكتبة، وكذلك كلية لدراسة باقى العلوم وكان يصمم كمبنى ملحق بالمعبد، بإستثناء واحد عُرف فى عصر العمارنة حيث كان بناء منفصلاً عن المعبد، بُنى من الطوب اللبن، وكان يحوى أهم ما كُتب من كتب خُطت على أوراق البردى، والتى خرجت منها إحدى نسخ بردية «سولت» الشهيرة التى حوت بعض النصوص الطقسية، والتى تحكى عن أساطير بعض المعبودات المصرية، والتى وصفت وشرحت لنا أيضا جانباً من الطقوس التى كانت تقام فى «بيت الحياة».

 

ولقد كان لكل معبد كبير «بر عنخ»، أى «بيت الحياة»، وقد عُرف «بيت الحياة» الذى أنشأه الملك شبسسكاف من عصر الأسرة الرابعة فى الجيزة كإحدى أشهر هذه المدارس، وعلى الأقل فى فترة لاحقة فى العصر المتأخر، كان يلحق بـ«بيت الحياة» مكتبة زاخرة بكتب من لفائف البردى التى تمثل مؤلفات دينية وأدبية، والتى كانت تُعرف بالكتب السرية، ومنذ عصر الدولة القديمة كان «بيت الحياة» يعد جامعة للآداب والعلوم، وهو ما عُرف من النصوص الممثلة على جدرانه منذ عصر الأسرة التاسعة عشرة.

وكان كل ما يُحفظ فى «بيت الحياة» يُوصف بالمعارف «السرية»، وكان يحوى قسما خاصا لدراسة الطب، والتى عُرفت بوضوح كمدارس للطب فى مصر القديمة إعتباراً من عصر الأسرة 26، وكان أشهرها مدرستى الطب فى «بيت الحياة» فى معبدى أبيدوس وسايس.

 

ولعل هناك رابطا حقيقيا فى تسكين مدرسة الطب فى «بيت الحياة» إذ أن الأطباء لهم دور فى الحفاظ على الحياة بعلاجهم للمرضى، ولقد كان الغرض من هذه البيوت تعليم الطلاب علوم التشريح ووظائف الأعضاء للبشر، وكذلك لجثث الحيوانات لتشخيص أسباب أمراضها؛ ومن ثم التوصل الى العلاج الناجع لها؛ وللإستفادة منها في علاج المرضى من البشر، بالإضافة إلى تعلم علوم الحياة والكيمياء، وأصول التحنيط وبحكم التحنيط الذي برعوا فيه، كان عليهم التجريب في جثث الحيوانات، كما إهتموا بطرق تسمينها وإعدادها للذبح، والكشف عن لحومها (مثلما تفعل السلخانات ومديريات الطب البيطرى الآن) وذلك قبل أكلها، أو تقديمها كقرابين للألهة، فالمعتقد في القربان تقديم أفضل الحيوانات والكشف على لحومها لتكون طيبة، تقدم للآلهة الطيبين، كما عرفوا علاج الماشية من الخراف والأغنام والماعز لما تمثله من ثروة حيوانية غذائية، كما أولوا الخيول والخيل والبغال والحمير والإبل عناية خاصة، وكذلك الغزلان، والتى كانت موجودة بكثرة في منطقة الساحل الشمالى والصعيد ومطروح وسيناء.

 

وقد حُفظ فى مكتبات «بيت الحياة» برديات النصوص الدينية التى عرفها المصرى القديم بكتب الأرباب، فهى تخبر عن كيفية صون حياة الأرباب والملوك والبشر، وطبيعة الطقوس التى تقام فى المعابد وأناشيد الأعياد التى ترتل أمام الأرباب فى أعيادهم، كما تحكى عن حوليات الأرباب والأساطير التى نُسجت عنهم. فعندما أراد الملك رمسيس الرابع معرفة أسرار أوزوريس قام بدراسة ما كُتب عنه فى كتب «بيت الحياة»، فقد ذكرت بردية «سولت» بعض الأساطير المتعلقة بأوزيريس والتى نُقشت لاحقاً كاملة فى معبد دندرة كأحد طقوس شهر كهيك، وكذلك الكتابات السحرية، وكذلك ( نصوص ترشد الكهنة عن كيفية إختيار الحيوانات المقدسة من بين جنسها، أى أن الـ«بر عنخ» فى مصر القديمة هو أول مدرسة لتعليم الكتابة، وأول جامعة لتعليم الطب والفلك والرياضيات، وأول أكاديمية لتعليم الفنون، وأول مكتبة للدارسين، فهو بحق «بيت الحياة».

ولقد أوضح العالم الإنجليزي (ولكنسون) في كتابة عام 1878م: بأن المصريين برعوا في العناية بالحيوانات وكانوا يعزلون المريض منها، ويتعهدون الحوامل بالرعاية وأثناء الولادة والحلب؛ ومراقبة إرضاع صغارها، وغسل ضروعها وتعقيمها قبل الحلب وغير ذلك.

كما وجدنا فى سجل الرحالة «خوف حر» في عهد الأسرة السادسة، منذ 2350 سنة قبل الميلاد في رحلته المشهورة إلي أعالي بلاد النوبة بأن المصريين برعوا في إستخدام الحمار والخيول كوسيلة للمواصلات داخل وخارج البلاد.

ولقد عثر العلّامة: «فلندرس بتري»، عام 1889، على بردية في الطب البيطري، يرجع تاريخها إلي 2000 سنة قبل الميلاد في عهد الأسرة الثانية عشر، بناحية اللاهون بمحافظة الفيوم، وتشير هذه البردية إلي علاج ثورين مصابين بسيلان الدموع من العينين مع الكآبة والحزن، كما تشير إلى علاج كلب مصاب بطفيليات داخلية؛ وكانوا يعالجونها في بيوت أطلقوا عليها: «بيوت الحياة» تكريماً وقداسة لتلك الحيوانات التى ترمز إلى مرموزات دينية وطقوس تعبدية؛ أو للتقرب بها وتقديمها كقرابين للألهة.ولعل برديات تشستربينى، وليدن، والرامسيوم، وهرست، وبرلين الطبية تحتوى على شرح مطول عن القلب والأوعية وأغلب العقاقير النباتية والحيوانية والتى تكشف عن براعة المصريين في الطب؛ والطب البيطرى لعلاج الحيوانات كذلك .

 

 علاج الإبل والغزلان

سيناء قديمة قدم الحياة المصرية، ولقد أولاها المصريون عناية فائقة، وكانوا يعدون فيها الفيروز والنحاس، كما إرتبطت بعبادة الإله «آمون» إله القمر عندهم؛ لذا أطلق عليها أرض القمر؛ كما كانوا الأمراء والملوك يذهبون إليها لصيد الغزلان والصقور؛ وكانوا يمتطون الخيل المطهمة والإبل ليعبروا دروبها عبر الجبال الوعرة والهضاب الشاسعة الممتدة، كما إبتنوا بها المعابد وأقاموا فيها تمديناً وحضارة، وفى وادى الغزلان والذى كشف عنه مؤخراً – العام المنصرم- عثر على نقوش لوادى الغلان، إلى جانب المعابد الضخمة كمعبد سرابيط الخادم، وكهف الإلهة هاتور وغيرها، إلى جانب دير سانت كاترين في الجنوب ؛ ولقد وجدنا في الآثار القديمة ( مشفى ومحجراً صحياً لعلاج الحيوانات التى يصيدونها قبل أن ينتقوا منها الأجمل والأفضل لتقديمه كهدايا لحكام الأقاليم، ومن هنا نشأ الطب البيطرى لعلاج هذه الحيوانات، وكانت تسمى بالمشفى: أو الكارنتينات( الكارنتينة).

 

نادى الهجن بسيناء

نظراً لأهمية الإبل والخيول فقد تأسست جمعية ونادى الهجن بسيناء من خلال جمعية التراث السيناوى ، وكان غرضها تنظيم سباقات الهجن على المستوى المحلى، ثم على المستوى العربى، وتم إنشاء أول إتحاد عربى للهجن بالوطن العربى عام 1982م في مصر وأسندت تبعيته لوزارة الشباب والرياضة، وتم عقد الساقات وطبع الكتب التى تهتم بالإبل العربية الأصيلة وعلاجها، وتربيتها، والأمراض البيطرية التى تعلق بها، وتم إستقدام أطباء للطب البيطرى من مديرية الصحة بالعريش لتطبيب وعلاج الإبل، ثم إنطلقت هذه الساقات في الوطن العربى، ولقد برعت دولة الإمارات العربية المتحدة وتصدرت المشهد العربى، بعد أن خبأ نجم جمعية الهجن المصرية قليلاً ؛ إلا أن الإمارات والسعودية توسعتا في هذا المضمار بإعتبار الإبل والشعر النبطى يمثلان الهوية الثقافية للعرب، وتم إفتتاح نواد للهجن العربية في كل الدول العربية، وبرعت الإمارات في هذا الجانب خاصة الطب البيطرى للإبل وتم إنشاء مستشفيات متخصصة للإبل بإعتبارها رياضة رائجة، وهوية عربية أصيلة كذلك .

مشفى الكرنتينة 

لأن سيناء كانت طريق الحج المصرى القديم إلى الكعبة في الأراضى الحجازية السعودية، فقد تم منذ عهد محمد على باشا، إنشاء كارنتينات كان غرضها ثنائى: أولاً الكشف على الحجاج المسافرين والعائدين من الأراضى الحجازية، وعلاج الجمال والخيول والدواب من آثار السفر الطويل، وعزل المريض منها وتقديم العقاقير والأدوية اللازمة لعلاجها كذلك.

ولقد عرف العرب، وبدو سيناء أمراض الإبل والخيول والدواب وطرق علاجها، وبرع خبراء من قبائل سيناء في علاج أمراضها عن طريق الخبرة والممارسة لأنهم كانوا يربونها في أماكن تسمى «مراحات الإبل»، وكانوا يستخدمونها في الزراعة ولجلب الماء لمنازلهم وماشيتهم، وكانوا يساعدون الأطباء الذين إستقدمتهم الدولة من مصر لعلاجها.

 

وقد كان في مدينة العريش أماكن متعددة لمراح الإبل: (أرض الكرنتينة على ساحل البحر)، ومراح ( سوق الخميس) بجوار قلعة العريش ، وكان ملحق بالقلعة مستشفى ومحجر طبى، وأجزخانة لأدوية الحيوانات .

وفى عهد إبراهيم باشا ومن جاء بعده من حكام مصر في عهد الدولة التركية تم إنشاء أماكن مخصصة لمراحات الإبل بمنطقة المساعيد بالقرب من عيون الماء والهرابات ، وسميت العيون والآبار هناك باسم ( المسعوديات ) نسبة الى قبيلة المساعيد، وقد خلد الشاعر البدوى السيناوى ذكرها في شعره النبطى البدوى، وهم يغنون منشدين:

بيت أبو سنون مشرع والباقى كله حجراوات

أوتاده في حمض المرة وحباله المسعوديات

رايحين نقول الريداه

ولقد كانت هذه العيون والمراحات إستراحة للخيول والإبل التى كانت في جيش عمرو بن العاص، حينما سأل أين نحن من أرض مصر فقالوا: في المساعيد في سيناء، من أرض مصر، فقال سيروا على بركة الله وبأمر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لفتح مصر .

ولقد عرف العرب الطب البيطرى من هؤلاء الذين وضعوا الدساتير والقواعد الطبية البشرية والبيطرية: الشيخ الطبيب الرئيس / ابن سيناء، وابن البيطار، وأبو بكر الرازى، والبيرونى، وغيرهم . ولقد إهتم محمد على باشا بالخيول والإبل وذلك سلاح الفرسان الذي توفرت له الخيول اللازمة و الأطباء البيطريون الذين أنيط لهم رعاية تلك الخيول و علاجها من ضباط الجيش الذين كانوا يرسلون في بعثات إلي فرنسا للتخصص فئ الطب البيطري، ولقد رأى محمد ضرورة إنشاء مدرسة عصرية لتعليم الطب البيطري دعما لسياسة مقاومة أمراض الحيوان وتجنبا لحدوث مزيد من الخسائر بعد حدوث الوباء السابق ذكره و قد أنشئت هذه المدرسة في رشيد في عام 1827م. .

 

أكبر محجر صحي في العالم

تم تأسيس محجر الطور الصحى في عام 1275هـ/1858م أثناء حكم والي مِصْر محمد سعيد باشا(1270-1279هـ1854-1863م)، واستكمل في عهد الخديوي محمد توفيق باشا(1296-1309هـ/1879-1892م)، لكنه لم يجهّز بالنظام الحديث والمعدات الصحية إلا في عام 1311هـ/1893م من حكم خديوي مِصْر عباس حلمي الثاني (1309-1333هـ/1892-1914م) بإشراف الدكتور روفر رئيس مجلس الصحة البحرية والكورنتينات بمصر، فبدأ

بتطوير مبانيه على طراز فريد ،وبعد تطويره أصبح أكبر محجر صحى في العالم،وأصبح يديره مجلس الصحة البحرية والكورنتينات بالإسكندرية، ويُسدي إلى العالم أعظم خدمة صحية لأنه يدفع عنه خطر الأوبئة، مما عسى أن يصاب به الحجاج وهم عائدون من مناسك الحج إلى ديارهم.

 

سر الرقم أربعين 40  

كشف الباحثون فى وثائق الدير عن وجود أقدم حجر صحى وبيطرى في سيناء، ولقد كان الرقم (40) هو مفتاح الكشف لذلك الأثر، وقد تساءلوا في البداية لماذا يتم حجر الحجاج الذاهبين والعائدين من وإلى الأراضى الحجازية، وكذلك الحجاج المسافرين من مصر وإلى القدس «بيت المقدس»، بفلسطين، فوجدوا السر في وجود عدة محاجر طبية وبيطرية على طريق الحجاج، وأن مدة الحجر أربعين يوماً ليتم التأكد تماماً من عدم نقل الأوبئة من الأماكن التى زاروها، لذا كان يتم تبخيرهم، ثم تعقيمهم مع أمتعتهم ودوابهم والبدء في الكشف عليهم ، وعزلهم لمدة أربعين يوماً، ولكثرة الحجاج على طريق الدرب السلطانى بسيناء تم إنشاء أكثر من مكان لتطبيق إجراءات الحجر الصحى عليهم وعلى دوابهم ورواحلهم ومن هنا كان الرقم أربعين هو المفتاح والدليل للإنتهاء من الحجر الصحى .

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى