ملك يتهاوى بين الرحى والخيبة.. السقوط الأخير لإمبراطورية الساسانيين
كان يزدجرد الثالث آخر ملوك الساسانيين، حفيد كسرى أبرويز، لكنه اعتلى العرش طفلًا في زمن كانت فيه الدولة قد أنهكتها الحروب الطويلة والانقسامات الداخلية، وفقدت قدرتها على الصمود، لم يحمل التاج يومًا قوة حقيقية، بل ورث عرشًا متشققًا، وجيشًا منهكًا، وولاة لا يؤمنون بملكهم، ثم جاء الفتح الإسلامي من الجنوب، ليضع نهاية سريعة لما تبقى من إمبراطورية فقدت روحها قبل أن تفقد أرضها.
السقوط الأخير لإمبراطورية الساسانيين
بعد سقوط رستم في القادسية، ثم الهزيمة الساحقة في نهاوند التي سماها العرب فتح الفتوح، دخل يزدجرد مرحلة الهروب الدائم. غادر المدائن، العاصمة التي كانت رمز العظمة الساسانية، وتنقل بين حلوان وأصبهان واصطخر، يطارده شبح الهزيمة، وتلاحقه الجيوش الإسلامية، في كل مدينة طرق أبوابها، وجد القلوب مغلقة، والولاة يفرون من استقباله، والناس يخشون الارتباط بملك آيل للسقوط.
في كرمان، واجهه مرزبانها بإهانة صريحة، إذ جر رجله أمامه وقال له بازدراء إنك لا تصلح لحكم قرية فكيف تطمع في الملك، انقلبت العلاقة إلى عداء مكشوف، فغادر يزدجرد المنطقة متجهًا إلى سجستان ثم خراسان، في رحلة فرار بلا أفق.
عند وصوله إلى أطراف مرو، استقبله ماهويه مرزبانها بمظهر من الاحترام والترحيب، وقدم له نيزك طرخان الهدايا والخلع، وأقام الملك عنده نحو شهر. لكن التوتر سرعان ما تسلل إلى العلاقة، خطب نيزك ابنة يزدجرد، فواجهه الملك بغضب وتعالٍ، وذكّره بأنه عبد من عبيده، ثم أمر بمراجعة حسابات ماهويه وأمواله. عندها تحول الترحيب إلى حقد مكتوم.
حرّض ماهويه نيزك قائلًا إن هذا الملك الهارب يسعى لاستعادة سلطانه على حساب من آواه، اتفقا على التخلص منه، فهاجم نيزك بقوات من الأتراك، ووقعت معركة في الجنابذ، قُتل فيها من بقي مع يزدجرد، ونُهب معسكره، فر الملك وحيدًا نحو مرو، لكن المدينة أغلقت أبوابها في وجهه، ولم يجد فيها ملجأ ولا نصيرًا.
ترك دابته وسار على قدميه حتى وصل إلى بيت طحان بسيط على ضفة نهر المرغاب، طالبًا مأوى لليلة واحدة، تروي إحدى الروايات أنه أُطعم وسُقي، ثم جلس في لحظة يأس يخرج تاجه ويضعه على رأسه، فرآه الطحان وطمع في الذهب والجواهر، فرفع رحى ثقيلة وضرب بها رأس الملك حتى أرداه قتيلًا.
وفي رواية أخرى أكثر تداولًا، أرسل ماهويه إلى الطحان، فخنق يزدجرد بوتر، ثم ألقى جثته في النهر، واستولى على ثيابه وتاجه. ولمّا بلغ الخبر ماهويه، أمر بقتل الطحان نفسه، معتبرًا أن قاتل ملك لا يستحق الحياة، ثم استولى على ما تبقى من المتاع.



