قراءة وقصيدة: ميثولوجيا الذات واستيحاء الأسطورة
قراءة في قصيدة : "سجدة" للشاعر / محمود حسن عبدالتواب
قراءة وقصيدة: ميثولوجيا الذات واستيحاء الأسطورة
قراءة في قصيدة : “سجدة” للشاعر / محمود حسن عبدالتواب
حاتم عبدالهادي السيد
تتواشج اللغة لتصنع فرادتها المائزة؛ في قصيدة : ” سجدة” للشاعر المصري الكبير/ محمود حسن عبدالتواب. الذي يمزج بين صفاء اللغة، والتحليق عبر سجادة صوفي، يمتشق حسام الجمال، ويركب صهوة الجواد الذي يعبر نهر الروح، إلى بوابات الدهشة ، حيث اللغة يمتاحها، ويصنع منها فستان الشعر الأبهي، عبر فردوس الروح المحلقة في سماوات التخييل، وعبر صوفية شاعر يشف، ويرف، ويصنع من فستان الشعر لحنا يموسقه؛ بروحه السادرة، في أفق ممتد، وبراح أبستمولوجي، يعبرنا ، ويخش إلى فضاءات الله، عبر الميثولوجيا الروحية، التي تتدفق من جمال المعني، وتعبره إلى ماورائيات ممتدة؛ نتأول من خلالها الصورة والظلال، والذات المندلقة، عبر موسيقا تدخلنا، وتخش إلى جوانياتنا سلسالا، متتابعا، لتعيد للقصيدة العربية هيبتها، ومعاصرتها التي تجعلنا نقف لنقول بكل لهفة : الله … الله !!.
.
إنها القصيدة التي تؤطر الحياة، وتعيدنا منذ عهد آدم، إلى ذواتنا المرهقة، وفكرتها الأبهى. حيث تعيد رصف المعاني؛ التي تصنع البناء المتين للغة، عبر سبك يعلوه بخار الوقت، فيعبر بنا إلى جبال المعنى؛ المندغم بين ثنايا الشعرية التي تعيد رتق الروح، وإعادة بنائية العالم المختفي خلف ظاهر النص، حيث السجدة تمثل مفتتحا لصلاة الحب لسيدة المحراب: ” حواء”الأولى، وحواء الشاعرة، التي غيب شاعرنا وجودها، وجعلها تتماهى مع ظلال المعاني، كصورة شفافة، تختفي عبر ألحان القصيدة .
حيث تنسحب السجدة إلي سيدة المعنى؛ التي كانت سحابة، تخبز كل صباح لملائكة الله رغيفا من نور أزلي. وعبر هذه الصورة الواحدة للرغيف، الذي سيكفي الملائكة جميعهم؛ تجعلنا نقف لنسأل عن مثيولوجيا الأسطورة التي صنعها بفرادة، وتماه، ومخاتلة لنا كقراء.
حتى الفاكهة غير معروفة للعامة، فقط تعرفها سيدة المحراب، وأميرة عرش روحه، التي أحاطها البهاء ، فاختصته عن الملائكة، حيث خبزت للملائكة رغيفا واحدا، بينما اختصته بالخبز الكثير، والعسل اليماني، لتدلل إلى عمق اختصاصها له بالمحبة، والتمييز. ثم رأيناها – عبر الحكاية الشعرية، وداخل الأجناس الأدبية- تنتقل بنا- عبر الالتفات- من حالة الخبيز للملائكة، والعسل لذاته، إلى حملها روحه لتباركها ، وتصفيها من كل الماديات، وتغسلها بالحليب الرباني.
وكأننا أمام التناص الإحالي؛ لغسل الملائكة قلب وروح سيدنا محمد عليه السلام ، وتلك الإحالات تعمق المعني، عبر تداخلات المخيال، الذي يتأول معان مخبوءة؛ خلف ظاهر النص، يستدعيها لإشراك القارىء في التماهي مع حكايته/ حكايتها، التي يسردها شعرا ينساب من محراب الجمال،إلى جوانيات المعني، يقول :
( يا منْ كانتْ عِنْدَ حدودِ الغيبِ سحابةْ/تخْبِزُ كلَّ صباحٍ لملائكةِ اللَّهِ رغيفاً/ من نورٍ أَزَلِيْ/ثمَّ تعودُ بفاكهةٍ/لا تعرفها إلَّا سَيَّدُةُ المحرابِ … /وخبزٍ لا يعرفُهُ إلَّايَ إليْ/ أو عسلٍ جاء به هدهدُ سيِّدنا من جبلٍ يمنِيْ/ تحمل روحي في كَفَّيْها/ فتباركَها في كلِّ سماءٍ مأهولةْ/ تفْتَحُ صدري/ تغسِلَهُ/ بحليبٍ رَبَّانِيْ).
قراءة في قصيدة : “سجدة” للشاعر / محمود حسن عبدالتواب
ولنلحظ ” الإلتفات”، والإنتقالات اللطيفة من الحديث عنها بصيغة الغائبة :” يا من كانت عند حدود الغيب سحابة”، إلى التصريح بعد ذلك بهويتها :”سيدة المحراب”. لينتقل إلى الذات الساردة – عبر التدوير- وعبر المفارقة. حيث انتقل إلى ذاته الساردة/ الشاعرة :” كنت أسافر في عينيك، ومن كفيك إلى حيث أبي يلقي الدرس كعادته”.
فهو هنا جعلها المركز الذي ينطلق منه/ منها؛ إلى مشهدية الإمام الذي يلقي الدرس من فوق المنبر القدسي، ثم بدأ يسرد هيئة المنبر ،عبر سلم الياقوت والزبرجد، وجمال الدرس الذي شبهه بدعوة إبراهيم المهاب. فهو يعرض لنا صورة الإمام المهيبة، عبر انتقالات، ومشهدية الإلتفات البديع، من حال إلى حال، ومن موقف إلى آخر، كأنه صوفي يتنقل عبر فراشات اللغة؛ بين الأحوال والمواقف، وكأنه الحلاج الذي يسبح بالروح، ليقص حكاية سيدة المحراب، والإمام، وذاته المضوعة؛ التي تصوح عبر أصص الجمال، والزبرجد، يقول :
( كنتُ أسافرُ في عينيكِ وَمِنْ/كَفَّيْكِ إلى حيثُ أبي يلقي الدرسَ كعادَتِهِ/ والمنبرُ من خشبٍ قُدُسِيْ/ والسُّلَّمُ ياقوتٌ وزبرجَدْ/ والصوتُ كدعوةِ إِبْرَاهِيمَ مهيبٌ ونقِيْ) .
ثم رأيناه يعود إلى الخطاب الشعري :يخاطبها، ويعتب عليها بلطف، ويناجيها بأن تبتعد عن كبرها، وتعود إليه من جديد ، فنراه كأنه يتلمس لها الأعذار، عبر شيطانة الشعر التي – ربما- تلبستها- كما يقول- فهو لا يقر بالمعني، بل يعبر بالمعنى الجواني، إلى أفق دهشة متأولة، من موقف الحبيبة، التي تبدل حالها، رغم يقين المحبة الذي بدأت به في أول القصيدة، يقول :
( أيَّةُ شيطانةِ شعرٍ أغْوَتكِ فرُحتِ إلى أرضٍ ليس بها خبزٌ نبوِيْ / وتلبَّسكِ الكبْرُ وأغواكِ الَّلاشَيْ/هلْ كانتْ سجدةُ آدَمَ من أتلفَ هذا /الخطَّ الفارقَ بينَ يقينِكِ والغَيْ/أَمْ يا قِبْلةَ خمرِ الوهمِ المُتَعتِّقِ من /أوَّلِ سجدَةْ/مَسَّكِ عندَ سقوطِ التُّفَّاحةِ جِنِّىْ؟!) .
.
إنه يعيدنا كذلك -مرة أخرى- إلى تناص الإحالة، عبر موقف الحياة الأولى- بدء الخلق- وقصة آدم وحواء، عبر تحولات المعاني التي يخفيها، فهو تناص متضمن معنى الحكاية، لكنها ليست حكاية حواء ذاتها، بل حواءه/ سيدة القصر؛ يخاطبها، ويتلمس لها الأعذار كضرير يتغاضى عن غوايتها، فيقول: ربما مسها شيطان؛ عند سقوط التفاحة، أو شيطانة الشعر.
ولنلحظ مثيولوجيا المعني الذي يحيلنا إلى “أسطرة النص”، واستلهام الموروث الحكائي للقصص القرآني، التي يضفرها بلا يقين، فهو الموزع بين أفق الدهشة، ومرار البعاد والهجر، وذلك التماهي يتماشى مع حالته النفسية، ودهشته الكبرى. فنراه يعود إلى خطابها؛ عبر دهشة اللا توقع، وتبدل أحوال المحبة، وفراقها، واختفائها، غير المبرر، لذا رأيناه يعاتبها، ويخاطب ذاته- في ذات الوقت- يعاتبها عبر ضمير الغائب، ويمزج العتاب لها ، بعتاب ذاته المحبة؛ التي فقدت اليقين، والبوصلة، حيث ابتعدت دون مقدمات، فرأيناه كجوال يلهج بمناجاتها، فيقول :
( كنتِ غطاءً شتويّاً/أتَدَثَّرُ فيهِ يُزَمِّلُني /عِنْدَ الرَّجفَةِ والوَحْشَةْ
حينَ فقدتُ يَقيني/حينَ اختلفتْ أضلاعي/واسْتَوْحَشْتُ الآيةَ أنهَكَني الخيطُ المفقودُ/الّّلامرئِيْ/جئتِ إليَّ وفي يُمناكِ يقينُ نَبِيْ/كيفُ أصدِّقُ بِاللّهِ عَلَيْكِ/كيفَ أُفَسِّرُ هذا الجبلَ الجاثمَ فَوْقَ الصَّدْرِ /الناتِئَ من رِئَتَيْ).
.
ولنلحظ الخطاب الصوفي، خطاب المكدود من رهق البعاد، والمخاتلة، والصور الأبهي رقة، والتي تتكشف طوال الوقت د- لتدلل إلى مرار طعم الحياة على شفتيه المعبدتين بعشقها، كما نلحظ تأنقه في اختيار الألفاظ الدالة، والتي تخاطب ذواتنا القارئة؛ بقوة . فهو بالرغم من كل هذا الألم والمرار، رأيناه يخاطبها بلطف، وبأسى،وبحرقة، فيعود ليستدعي موقف مضغ “هند بنت عتبة” لكبد عدوها ، ليعيدنا عبر التناص، وإحالات المعنى- رغما عنا- إلى مشاهد التاريخ المفجعة، وفجيعة مشهد نهش الكبد / كبده التي تهرأت بفعل بعادها الحزين،أيضا- يقول :
( كيفَ تَبَدَّلَ شايُكِ ماءَ النَّارِ على شَفَتَيْ/كيفَ تَمَدَّدَ وجْهُكِ في عينِي شبحاً/يحملُ حربةَ وَحْشِيْ/ويُفَتِّشُ عن كَبِدي كيْ يُطْعِمَهُ ../ هندَ ابنةَ عُتْبَةَ لكن …/ما كُنْتِ أسيرةَ هندٍ يوما / ما كانَ أبوكِ بَغِيْ.
.
فهو هنا يحيلنا إلى “تناص التتابع “- أو التناص المركب؛ – كما أطلق عليه- حيث يمازج بين قصة هند، وبين قصة مريم ابنة عمران:” ما كان أبوك امرأ سوء، وما كانت أمك بغيا”، هنا ركب مشهد هند بنت عتبة، بمشهد السيدة مريم ، وأتي بالسكون في ” بغي”، وأحاله إلى الأب، وليس إلى مريم، ليخاتلنا عبر التناص، وينفي عنها صفة البغاء، رغم غوايتها وإيهامها بالحب له، ولربما يبعد المتلقي ويخاتله لينصرف عن موقفها المشين تجاهه. ثم نراه يعود ليناجيها، ويذكرها بحبه الكبير، حيث كانت عنده بمثابة غادة حسناء، وكيف لا، وهو الذي رفعها لتكون أيقونة روحه، والماء الذي يسقى غلة الشوق لديه، عبر الواقع والخيال.
فهي الرمز لعروج الروح، واندغامها في فلك المحبوبة العميق، رغم أهوال البعاد، والصمت والوحدة التي جعلته يزعق في برية السكون والعدم، ولكن دون جدوى. لتكتمل الأسطورة الكبرى؛ لعاشق سيدة القصر، واميرة المعبد، التي يراها في كل أحواله، ويكتبها بين سطوره، ويخفي حبها في “الجمل البينية”، كما رأيناه يحاول أن يسمو بصورته كعاشق لسيدة القصر، التي آثرت البعاد والهجر، ليتحول إلى راو، أو حكاء، أو مجذوب بحبها؛ الذي يتدفق – بين بينيات حروفه- الملتاعة بعشقها الأبدي، يقول :
( إنِّي نَصَّبْتُكِ أيقونةَ شِعْرِي /وَرَوِيَّهْ/صُوَرَهْ/وخَيالاتِهْ/رمزاً لا يعرِفهُ إلَّا من يعْرُجُ في مكنون …/الياقوتِ المُتَخَفِّي بين سطوري/والكلماتِ البَيْنِيَّةْ /يا امرأة نورانيةْ/كيفَ تَعَثَّرَ خيْلُكِ في المعراجِ العُلْوِيْ/كيفَ تشابهَ في عيْنَيْكِ قيامُ الليلِ …./وكأسٌ عاقَرَهُ كلَّ مساءٍ كائنُكُ الليْلِيْ؟!) .
.
إنه عروج للروح في محراب معبد العشق، والحب الطاهر العفيف، الذي حوله إلى فيلسوف، يلهج بالشعر، ويناجيها بالمرأة النورانية. وكأنه يحلم بامرأة تعثر خيلها في المعراج العلوي، وابتعدت فلم يعد يفرق بين قيام الليل، وخمر الكأس المنبجسة من عينيها، فكأنها ساحرة، أو طيف خيال لكائن ليلي؛تغشى روحه، فغدت أسطورة صنعها في خياله، فخاتلته، وخشت إلى ذاته، كطيف ساحر، أو سراب امرأة نورانية/ سيدة القصر؛ التي كانت تخبز له، والملائكة رغيف الحياة الممتدة.
إنها المثيولوجيا، صاغها عبر لغة صوفية منسابة، لعاشق أغوته امرأة المعنى، كما أغوت حواء آدم بأكل التفاحة، وكما انتقمت هند بنت عتبة لقاتل أبيها وأخيها، فغدت قصتها أسطورة يعيد صياغتها، أو ماض يعيش بين جوانياته، طوال الوقت، فلا يستطيع أن يتبين الحقيقة من الحلم، والصلاة من الكأس، فكأنه مجذوب سيدة القصر التي توهمها كسحابة عند حدود الغيم ، أو انها الحقيقة التي لا يريد أن تكون يقينا مطلقا، ليزعق في برية الصمت بوجدها، ليعيش- إلى الأبد- غوايتها المشتهاة.
حاتم عبدالهادي السيد
ناقد من سيناء
٠١٠٠٥٧٦٢٧٠٢مصر



