
علاء عبدالله يكتب: صقور الوطن
خلف كل نافذة ينام أهلها في طمأنينة، ثمة عين لا تذوق الكرى، وقلب ينبض بحب وطن لم يبخل عليه بالدم، في الخامس والعشرين من يناير من كل عام، لا نحتفل بمجرد ذكرى معركة تاريخية في الإسماعيلية فحسب، بل نحتفي بعقيدة صمود تجذرت في وجدان رجل الشرطة المصري، ذلك المرابط على ثغور الأمن، الذي اختار أن يكون الصدر العاري في مواجهة الرصاص، ليبقى صدر الوطن رحبًا وآمنًا.
البدلة السوداء.. لون الهيبة وفلسفة الفداء، ليست بذلة الشرطة مجرد زي رسمي، بل هي ميثاق تضحية مكتوب بحبر الانضباط. حين يرتدي الضابط أو الجندي لامته، فهو يدرك تمامًا أنه قد لا يعود لعناق طفله أو تقبيل يد أمه. إنها فلسفة الغياب ليحضر الجميع، يغيبون عن موائد الإفطار في الأعياد لتمتلئ بيوتنا بالبهجة، ويقفون في هجير الصيف وزمهرير الشتاء لتستمر حركة الحياة في الشوارع دون خوف.
ملحمة 1952
من الإسماعيلية إلى اليوم، عقيدة لا تتغير في صدور رجال الشرطة الأشداء، فحب الوطن غايتهم، وحراسته فرض عين. والتضحية التي نراها اليوم هي امتداد لملحمة عام 1952، حين رفض أبطال الشرطة الاستسلام لغطرسة المحتل، مفضلين الموت بكرامة على تسليم أسلحتهم. تلك الروح لم تندثر، بل نراها اليوم في عيون ضابط يقتحم وكرًا للإرهاب وهو يعلم أن الموت يتربص به خلف الباب، وفي صبر جندي يقف في كمين ناءٍ يحرس حدود الحلم المصري، وفي دمعة صامتة تمسحها زوجة شهيد قررت أن تكمل المشوار، وتربي أبناءها على حب مصر كما فعل أبوهم.
في وقت ظن فيه الأصدقاء قبل الأعداء أن مصر على وشك السقوط في مستنقع الفوضى الأمنية، وأن الشوارع مستباحة، كان رجال الداخلية والأمن الوطني يقولون إن ذلك لن يحدث. وفي صدورهم أنفاس تخرج وترتد، وسريعًا استرد صقور الوطن زمام الأمر بحرفية وتضحيات لم تخرج كلها للنور بعد. لم يظن أولئك المرجفون أن في مصر رجالًا وأجهزة تعرف دبيب النمل، وخبرة لا تقدر بثمن، وحرفية نادرة لقنت أعداء هذا البلد درسًا قاسيًا.
أمن الوطن
تسألوني عن ضريبة الأمان، أقول لكم: دماء تزهر طمأنينة. في كل شارع آمن نسير فيه، وكل جامعة ينهل منها الطلاب العلم، وكل مصنع تدور تروسه، ثمار غرست بمداد من دماء الشهداء. إن رجال الداخلية لا يقدمون جهدهم فقط، بل يقدمون أعمارهم قرابين على محراب الوطن. هم الذين يواجهون الجريمة المنظمة، ويحاربون سموم المخدرات، ويقفون حائط صد أمام الفوضى، ليس بحثًا عن ثناء، بل إيمانًا بأن أمن الوطن هو أسمى الغايات.
في عيد الشرطة، ننحني إجلالًا لكل يد قابضة على الزناد من أجل حمايتنا، وتحية لكل كف قابضة على الجمر، ولكل روح صعدت إلى بارئها لتمنحنا حق الحياة؛ إن الوفاء لهؤلاء الأبطال ليس بكلمات تقال، بل بوعي شعب يدرك قيمة الأمن، وبمواطن يرى في رجل الشرطة أخًا وسندًا.
سلام على العيون الساهرة، وسلام على الأرواح الطاهرة، وكل عام ومصر آمنة بفضل تضحيات أبنائها المخلصين.




