دماء المورة بين سيوف إبراهيم ودموع أوروبا

في صيف عام 1822 وصلت رسائل الباب العالي إلى القاهرة تحمل استغاثة السلطان محمود الثاني اشتعلت اليونان بالثورة وحاصر الثوار الحاميات العثمانية في جزيرة كريت محمد علي باشا الوالي الطموح الذي سعى لبناء دولة قوية قرأ الرسالة جيدًا ولم يتردد جهز حملة عسكرية بقيادة حسن باشا فانطلقت سريعًا وكسرَت الحصار وأعادت بعض التوازن إلى الدولة العثمانية التي أنهكتها التمردات لكن الشرارة لم تنطفئ وبقيت النار مشتعلة تحت الرماد.
قصة دماء المورة
بحلول عام 1824 تمددت الثورة إلى قلب شبه جزيرة المورة حيث أعلن اليونانيون استقلالهم بجرأة غير مسبوقة عاد السلطان ينظر إلى محمد علي باعتباره الرجل القادر على الحسم وعرض عليه ولاية المورة وكريت مقابل إخماد الفتنة أدرك محمد علي حجم الفرصة وابتسم في صمت واختار ابنه إبراهيم باشا الشاب الصلب صاحب الإرادة الحديدية لقيادة الحملة.
في مايو 1825 رست السفن المصرية على شواطئ المورة حاملة سبعة عشر ألف جندي مدرب وسبعمائة فارس ومدافع حديثة هزت الأرض بدويها بدأ إبراهيم حملته باقتحام نوفارين ففرض حصارًا محكمًا على المدينة حتى رضخت تحت القصف المتواصل تلتها كالماتا ثم بيلوس فسقطت المدن واحدة تلو الأخرى كما تسقط أوراق الخريف خلال أسابيع قليلة تقدم نحو طرابلسة عاصمة المورة فدخلها بعد مقاومة قصيرة معلنًا سيطرته على قلب الإقليم.
ما فشلت فيه الجيوش العثمانية لسنوات طويلة أنجزه إبراهيم بسرعة خاطفة تناقل الناس اسمه في القرى والمدن باعتباره شبحًا يسبق جنوده في أواخر عام 1825 فرض حصاره على نافبليو المعقل السياسي للثوار وفي الوقت نفسه استجاب لنداء رشيد باشا لدعم حصار ميسولونجي صمدت المدينة الصغيرة عامًا كاملًا وأظهرت مقاومة عنيدة هزت أوروبا في أبريل 1826 سقطت ميسولونجي بعد أن اختار أهلها الخروج الكبير مفضلين الموت في ساحة القتال على الاستسلام فامتزجت دماؤهم بحكاية ستبقى في الذاكرة الأوروبية طويلًا.
انتصارات إبراهيم المتتالية أيقظت العواصم الأوروبية في يوليو 1827 وقعت بريطانيا وفرنسا وروسيا معاهدة لندن وتعهدت بحماية اليونانيين في العشرين من أكتوبر من العام نفسه اندلعت معركة نافارين البحرية فاشتعل الميناء بالنار ودمرت الأساطيل الحليفة الأسطول المصري العثماني في ساعات قليلة في تلك الليلة تحطمت أحلام السلطان ومحمد علي معًا وتغير مسار الصراع بالكامل.
عام 1828 وجد إبراهيم نفسه أمام قرار قاس رضخ محمد علي للضغط الأوروبي ووقع اتفاقًا يقضي بانسحاب الجيش المصري من اليونان مقابل إعادة السفن والأسرى نفذ إبراهيم الأوامر بقلب مثقل وغادرت قواته المورة في أكتوبر تاركة وراءها مدنًا شهدت أعظم انتصاراته وحقولًا تشبعت بدماء الجنود وتحولت أمجاده فيها إلى ذكريات موجعة.
أغضب الانسحاب السلطان محمود الذي واجه الزحف الروسي وحيدًا بلا سند تحت وطأة الهزيمة وقع معاهدة أدرنة عام 1829 واعترف باستقلال اليونان لتنتهي مرحلة طويلة من الدم والنار لكن الخلاف بين الباب العالي ومحمد علي لم ينته عند هذا الحد بل بدأ يتخذ شكل صراع أكبر سيشتعل في السنوات التالية ويعيد رسم خريطة القوة في المنطقة.



