المزيد

الإمارات والسعودية.. وحدة الجذور وصناعة التاريخ المشترك

الإمارات والسعودية.. وحدة الجذور وصناعة التاريخ المشترك

 

ترتبط دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية بعلاقات راسخة تضرب بجذورها في عمق التاريخ، وتعكسها روابط الأخوة بين الشعبين وحسن الجوار، إضافة إلى وشائج القربى والتداخل الاجتماعي والتجاري الذي تشكل عبر قرون طويلة. وقد حظيت هذه العلاقات بدعم متواصل من قيادتي البلدين، مستندة إلى عوامل جغرافية وطبيعية وبشرية جعلت من التقارب قدرًا ثابتًا لا تحكمه المصالح الآنية وحدها، بل تؤطره وحدة المصير.

تاريخ الإمارات والسعودية 

وتبرز الشواهد التاريخية على هذا الترابط في مظاهر متعددة، من أبرزها مشاركة شعب الإمارات أشقاءه في المملكة الاحتفاء باليوم الوطني السعودي في الثالث والعشرين من سبتمبر من كل عام، حيث تتحول مدن الإمارات إلى ساحات تعبير صادق عن المحبة والانتماء. ويعكس هذا المشهد عمق الشعور المشترك الذي يتجاوز حدود السياسة ليصل إلى وجدان المجتمع.

 

ويعود التشابه بين الشعبين إلى أسس تاريخية عميقة، تتمثل في البنية الاجتماعية المتقاربة، والتراث الثقافي المشترك، والعادات والتقاليد المتشابهة. كما تؤكد الاكتشافات الأثرية في مواقع عديدة داخل الإمارات والسعودية هذا الامتداد الحضاري الواحد، الذي تشكل عبر آلاف السنين.

 

وفي كتابه تاريخ شبه الجزيرة العربية، تناول الدكتور عبدالعزيز صالح تعدد الآراء حول الموطن الأصلي للإنسان في الجزيرة العربية، موضحًا أن ضخامة الكتلة الصحراوية أسهمت في الحفاظ على قدر كبير من نقاء العنصر الإنساني واللغوي، خاصة في المناطق الوسطى. ورغم أن الاختلاط بين الشعوب حقيقة تاريخية لا يمكن إنكارها، فإن الشواهد تؤكد أن سكان الجزيرة العربية ينتمون في جوهرهم إلى سلالة بشرية متجانسة تعرف بالسلالة السامية، وهي تسمية اصطلاحية شاعت منذ أواخر القرن الثامن عشر.

 

ومع وحدة الأصل، تشعبت اللغات السامية القديمة إلى فروع متعددة قبل أن توحدها العربية الفصحى مع نزول القرآن الكريم. وانتشرت هذه اللغات ولهجاتها في غرب ووسط وجنوب وشمال الجزيرة العربية، وامتد أثرها إلى بلاد الشام ومصر وأجزاء من شمال إفريقيا والسودان، ووصلت في عصور مبكرة من اليمن إلى أكسوم في الحبشة، ما يعكس اتساع رقعة التفاعل الحضاري.

 

وعند النظر إلى الجزيرة العربية قديمًا، لا يمكن تصورها كفضاء مغلق، إذ لم تعرف الحدود الإقليمية بالمعنى الحديث، وكانت الجماعات البشرية تتحرك بحرية بحثًا عن الماء والمرعى. وقد ساعد الموقع المتوسط للجزيرة على مشاركة سكان أطرافها في النشاط التجاري بين أقاليم الهلال الخصيب منذ الألف الثالث قبل الميلاد، ونقل منتجاتهم المحلية، خاصة البخور واللبان والصمغ والمر من الجنوب العربي. ولم يبلغ هذا الدور التجاري ذروته إلا بعد استئناس الجمل واستخدامه في الترحال، ليصبح أداة رئيسة في ربط المراكز الحضارية عبر الصحراء.

 

وتكشف الاكتشافات الأثرية على سواحل الخليج العربي وجزره عن عمق هذا النشاط الحضاري. فقد ركزت البعثات الأثرية، خاصة الدنماركية منها، أعمالها في أبوظبي وجزيرة أم النار والعين والهيلي، حيث ظهرت شواهد لمراحل متعددة من الاستقرار العمراني تعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد. كما عثر على مقابر دائرية وأدوات حجرية وفخارية ونقوش تصور الإبل والماشية، ما يعكس طبيعة الحياة الاقتصادية والاجتماعية آنذاك.

 

وفي الساحل الشرقي للمملكة العربية السعودية، توزعت المواقع الأثرية في ثاج والقطيف وتاروت والعقير وجبيل، وشكلت هذه المناطق مراكز نشطة للتجارة البرية والبحرية. وأكدت اللقى الأثرية، من تماثيل فخارية ومباخر ونقوش عربية جنوبية قديمة، أهمية هذه المواقع في شبكات التجارة الإقليمية.

 

كما حظيت منطقة الفاو في نجد باهتمام واسع، لكونها محطة رئيسة على الطريق التجاري بين نجران والعراق، وكشفت آثارها عن تداخل الأسلوبين العربي الجنوبي والشمالي، بما يعكس دورها في مرحلة ما قبل الإسلام، خاصة في سياق نشاط مملكة كندة.

 

ويرى باحثون أن الخليج العربي مثل قلب النشاط التجاري لحضارة ماجان في جنوب شرق الجزيرة العربية، وهي الحضارة التي تشغل الإمارات اليوم موقعها الجغرافي، المطل على الخليج العربي وخليج عمان، ما وضعها في مركز التفاعل بين حضارات وادي الرافدين ودلمون ووادي السند والحضارة الساسانية، ومنحها دورًا رياديًا في التجارة العالمية القديمة.

ويكتمل مشهد التقارب الإماراتي السعودي بعامل الأصول القبلية المشتركة، حيث تشير دراسات أكاديمية إلى انحدار قبائل في الإمارات من جذور عربية واحدة مع قبائل الجزيرة، ومنها قبائل الشحوح التي تعود أصولها، وفق بعض الباحثين، إلى بني حمير. وقد استقرت هذه القبائل في مناطق تمتد بين رأس الخيمة ودبا وسلطنة عمان، محتفظة بسمات لغوية وثقافية تعكس هذا الأصل العريق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى