تاريخ ومزارات

حكاية الملكة المصرية المنسية.. عنخنس بيبى الثانية وسر التعاويذ الملكية

أميرة جادو

يجسد التمثال المصري الشهير المصنوع من المرمر، والمحفوظ حاليًا في متحف بروكلين بالولايات المتحدة، للملكة عنخنس بيبي الثانية وهي تحتضن ابنها الملك بيبي الثاني، ويظهر بيبي الثاني مرتديًا غطاء الرأس الملكي نفسه الذي اشتهر به لاحقًا الملك توت عنخ آمون، في دلالة واضحة على السيادة والشرعية الملكية، غير أن ما يلفت الانتباه في هذا التمثال الصغير هو التفاوت اللافت في الحجم، إذ تبدو عنخنس بيبي أكبر من ابنها بنحو الضعف، في مشهد غير مألوف في الفن الملكي المصري.

تمثال عنخنس بيبى الثانية

هذا التمثال، المنحوت قبل أكثر من أربعة آلاف عام، بدا وكأنه يطرح سؤالًا محيرًا ظل بلا إجابة لسنوات طويلة: كيف استطاعت امرأة أن تبلغ هذه المكانة من السلطة في عالم صُمّم ليحكمه الملوك الذكور؟

ظل التمثال لغزًا محيرًا، خاصة أنه ظهر في سوق الفن خلال القرن التاسع عشر دون أي معلومات موثقة عن موقع اكتشافه الأصلي. وبفصله عن سياقه التاريخي والجنائزي، لم يكن سوى نافذة ضيقة تطل على سيرة ملكة نافذة، حكمت مصر بالنيابة عن ابنها في فترة شهدت أفول نجم الدولة القديمة، وفق ما أوردته ناشيونال جيوجرافيك.

نقطة التحول في سقارة

في عام 2000، حملت رمال سقارة، الجبانة الكبرى التي تضم أول هرم في تاريخ مصر وأهرامات عدد من أعظم الفراعنة، الإجابة المنتظرة، فقد كشفت البعثة الأثرية الفرنسية السويسرية في سقارة (MAFS)، بقيادة عالمي الآثار أودران لابروس وجان ليكلان، عن مجمع هرمي مدمر يحمل اسم الملكة عنخنس بيبي.

وازدادت أهمية الاكتشاف حين عثر علماء الآثار على غرف دفنها تحت الأرض، حيث كشف عن قبو دفن منقوش بمئات التعاويذ من نصوص الأهرامات، وهي نصوص دينية كانت تعد مفاتيح سحرية تمنح الفراعنة القدرة على البعث والقوة في الحياة الآخرة.

عثر على هذه النصوص في صورة شظايا متناثرة داخل الرمال، ما تطلب عملية إعادة تركيب دقيقة ومعقدة.

وعلى مدار أكثر من عشرين عامًا، تولى عالم المصريات والنقوش الفرنسي برنارد ماثيو، بالتعاون مع فريق بعثة MAFS، مهمة تصوير ورسم وترقيم ومسح وتوثيق أكثر من 1600 شظية منقوشة، أثناء إعادة بناء جدران غرفة الدفن المتهدمة.

كما يستعيد ماثيو تلك المرحلة قائلًا: «مع تنظيف مجمع دفن الملكة وجمع الشظايا المنقوشة خلال إحدى عشرة حملة تنقيب، أصبح الهدف هو استعادة البرنامج الكامل للنصوص التي كانت تزين جدران حجرة الدفن».

وقد توج هذا الجهد الطويل مؤخرًا بنشر علمي بارز لنصوص هرم عنخنس بيبي، لتصبح هذه النصوص مقروءة من جديد بعد أكثر من أربعة آلاف عام، وتفتح نافذة جديدة ومهمة على عالم هذه الملكة الاستثنائية.

الكلمات المقدسة ونصوص الهرم

قبل اكتشاف نصوص الهرم داخل حجرة دفن عنخنس بيبي، كانت هذه التعاويذ المقدسة حكرًا حصريًا على الرجال من ملوك مصر القديمة، فقد عدت هذه النصوص أقدس طقوس الديانة المصرية، وصممت خصيصًا لمنح الملك المتوفى قوى الآلهة وخلودها.

ولم يكن هذا الامتياز متاحًا حتى لأرفع طبقات النخبة، إذ كان الملك وحده، بصفته ابن إله الشمس رع والتجسيد الأرضي للإله حورس، جديرًا بالوصول إلى هذا السحر المقدس.

من خلال تبنيها هذه التعاويذ، كسرت عنخنس بيبي الثانية حاجزًا دينيًا جريئًا وغير مسبوق، مطالبةً لنفسها بمكانة إلهية في الحياة الأخرى على غرار الفراعنة.

وقد وصفها أودران لابروس، مكتشف هرمها، بأنها «أول امرأة مستقلة؛ فحتى وإن كانت تحكم باسم ابنها، فقد امتلكت السلطة كاملة. ولماذا لا تنال الخلود؟ إنها أول امرأة تُخلّد نفسها».

ملكة بمرتبة إلهة

كما عززت ألقاب عنخنس بيبي مكانتها الرفيعة، إذ رفعت إلى مرتبة إلهية بوصفها «ابنة إلهين»، وفي تمثالها المحفوظ بمتحف بروكلين، دعمت هذه المكانة باتخاذها وضعية تحاكي الإلهة إيزيس، في تشابه مقصود بين قصتها وقصة الإلهة التي حمت ابنها الصغير بعد وفاة والده ومهّدت له طريق العرش.

ولم يتوقف تأثير عنخنس بيبي عند حدود قبرها، إذ تشير النقوش إلى أنها حظيت بتبجيل مستمر من طائفة جنائزية راسخة استمر وجودها قرونًا طويلة بعد وفاتها، لتظل هذه الملكة شاهدًا فريدًا على قوة المرأة في واحدة من أقدم حضارات العالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى