كتابنا

الإعلامية نادية النشار تكتب…

الأمن القومى ومعايير الإعلام الاجتماعى

 

يستطيع الإعلام أن ينقل الأمن مضاعفًا ويغرس الطمأنينة في القلوب، ويحفز طاقات التغيير للأفضل أو للأسوأ وفقًا لتوجهات صانعي الرسالة، وواضعي استراتيجيات الإعلام، نعم يستطيع الإعلام.

 

كما يستطيع الإعلام ذاته أن ينقل الفزع والحرب بقدرات هائلة وآثار مضاعفة، يفعل ذلك للتحكم في صناعة أثر الرسالة بالتصوير والتكرار، والاختيار والانتقاء، والقص والمونتاج، والمبالغة أو التجاهل، يصنع من الصورة الواحدة ألف صورة ويستبدل كلمة الرصاصة بملايين، ومع كل إعادة مشاهدة ، يتلاعب بسيكولوجية الجماهير، التي لا يغفل عنها المسئولون، فكيف يمكن أن نصنع حزام أمن إعلامي لمواطن عادي، يريد أن يعيش حياته ببساطة، وسط هذا الكم الهائل من التلقي الإعلامي الإجباري والاختياري، كيف يمكن أن يتحقق مفهوم الأمن الافتراضي، الأمن السيبراني، حيث أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي عبر منصات التواصل الاجتماعي المختلفة لاعبًا أساسيًا في ملعب الإعلام الذي أصبح لا حدود له.

 

وأصبح من الضروري والعاجل تأهيل الناس بثقافة إعلامية، والتربية الإعلامية للإرسال، وللتلقي وتأهيل صناع الإعلام الاحترافي على الإرسال والتشابك مع الواقع وقراءة أبعاد الموضوعات، لا سطحية ولا عشوائية، نعم كل شيء مدروس، وساحة الحروب مبتكرة والتجارب لا تتوقف.

 

إن وضع القواعد والمعايير لصناعة المحتوى على منصات التواصل الاجتماعي والاتفاق عليها يحقق مكاسب مشتركة لكل الأطراف من أجل التنسيق المتبادل للحصول على بيانات ومعلومات وأخبار، من أجل حماية الناس من أثر الكلمة والفيديو والصورة، وسلطة التأثير والتلاعب وأحيانًا الجرائم الإلكترونية التي لم تعد تخفى على أحد.

 

بعض المواقع تفرض معايير تراعي مصالحها الخاصة وتؤمن اقتصادها وسمعتها، وبعض المعايير تفرضها الأخلاقيات، أو واقعية الاستخدام وكلها تهدف للحفاظ على المنجزات والأخبار والعلوم والأبحاث والإبداع .

تبدو مشاركتنا عبر مواقع التواصل الاجتماعي ميدانًا واسعًا لحق ممارسة الإعلام لدى كل الناس دون شروط أو قواعد، الأمر الذي فتح أبواب الاجتهاد دون خبرات سابقة أو دراسة متخصصة يستطيع المشاركون فيها الالتزام بها في كل الأوقات.

 

إن الحاجة ماسة إلى إطار عام يلتزم به الإعلامي المحترف والمواطن الإعلامي أثناء المشاركة في عملية إنتاج المحتوى الرقمي، فالجميع في هذه الصناعة يتساوى في القدرة على التأثير، لدرجة أن الدراسات الإعلامية الحديثة تستبدل كلمة الإعلامي بكلمة المستخدم (users) وما يميز مستخدم عن آخر هو قدرته على صناعة التأثير وقيادة رأي الجماهير.

وظهرت العديد من التجارب الناجحة، حيث استطاع هواة المستخدمين إنشاء صفحات شديدة الفائدة والجاذبية، شجعت على القراءة والبحث وزيادة الوعي.

 

وقد طوّرت الممارسة للإعلام الاجتماعي أداء الكثير من المستخدمين بل وتحول بعضهم إلى الإبداع والتأليف، ومهما اختلفت الآراء حول ذلك، إلا أنها تجربة إيجابية جدًا، فالتدوين في حد ذاته يطوّر صاحبه ذاتيًا، ويشجّع على النقاش وتبادل الأفكار. تظل الخطوات الجادة لوضع قواعد صناعة المحتوى ونشره وتداوله مطلوبة وضرورية للمجتمع، وهذا الدور ينبغي أن تعمل عليه المؤسسات الأكاديمية ومنظمات المجتمع المدني وأنشطة الأفراد والحكومات، لنشارك جميعًا في حملات مكثفة لوضع القواعد والمعايير والاتفاق عليها من أجل تفعيل دور قنوات التواصل والساعات الطويلة التي نقضيها معها، من خلال نقاشات المختصين والخبراء، تبادل الخبرات والآراء والتجارب في عوامل نجاح الكتابة، والتدوين والتصوير والرسم والأفلام وتشجيع ترجمة النصوص التي تخدم بناء المحتوى الإعلامي الجيد من الدول التي استطاعت أن تستخدم هذا المحتوى في التشارك المجتمعي والنقاش وإنضاج الرأي العام، عبر الصفحات الخاصة للمحترفين والهواة وتفعيل نقاشات بسيطة لاستخدام ألفاظ وحذف ألفاظ، لإضافة مصادر للموضوعات، لإرساء قواعد الاقتباس والنقل، وقواعد بناء المحتوى المتكامل الذي يشتمل على مقدمة وموضوع المحتوى، ثم خاتمة، ثم قائمة واضحة بالمراجع التي استندت إليها لكتابة الموضوع من تقارير، كتب، كتب إلكترونية، مواقع إلكترونية، صحف ومجلات، مع أهمية ذكر اسم الكاتب أو المحرر، وعنوان المرجع وتاريخ النشر ودار النشر وعنوان الموقع.. وهكذا .

 

وكما حدث في ذروة عصر الثورة الصناعية، حيث ظهرت الحاجة إلى وضع المعايير للتصنيع نظرًا لزيادة حجم التبادل، فتم توحيد أحجام المسامير وقضبان السكك الحديدية وأحجام المواسير وأسلاك الكهرباء، لتأهيلها لاستخدام كبير واسع الانتشار، ينبغي أن يحدث الآن، لكن مع مراعاة الفرق بين الثورة الصناعية الأولى والثورة الصناعية الرابعة، وعصر المعلوماتية، الرقمنة، بمزيد من المهنية والموضوعية واحترام الإبداع وقواعد الوسائل الجديدة والأجيال الجديدة أيضًا، فنحن لا نتبادل أكثر من المحتوى الإعلامي عبر شبكات التواصل الاجتماعي، ما يؤثر على حياتنا وأعمالنا ودراساتنا واقتصادنا وصورتنا الذهنية، ويؤثر أيضًا على صحتنا النفسية.

أصبح الأمن الإعلامي جزءًا أساسيًا الآن من مفهوم الأمن القومي، الذي تدرك أثره كل دول العالم، ويظل جزء منه مسئولية كل واحد منا.

 

إن صناعة حزام الأمان الإعلامي والتماس الاختيارات في خريطة تعرضنا اليومية للإعلام وفق الاحتياجات والقواعد والمعايير يحصن المجتمع، ويدفعنا لأن نستمر في طريقنا حتى لو اشتعلت شاشات العالم، نفعل ما بوسعنا ساعين حتى تقوم الساعة.

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى