مسجد الحديدي بفارسكور.. تحفة معمارية من قلب التاريخ الدمياطي
تعرف القاهرة بلقب مدينة الألف مئذنة، في دلالة على الثراء المعماري والديني الذي تزخر به مصر عبر العصور، ولا يقتصر هذا الإرث على العاصمة فقط، بل يمتد إلى مختلف المحافظات، ومن بينها فارسكور، التي تحتضن واحدًا من أبرز مساجدها التاريخية، وهو مسجد الحديدي.
جذور تاريخية تعود للعصر العلوي
يرجع تاريخ المسجد إلى عصر الأسرة العلوية، حيث أنشئ في القرن الثامن عشر الميلادي، وينسب إلى الشيخ علي بن عبد الرحمن الحديدي الأنصاري المغربي، ويعد من أقدم المساجد في محافظة دمياط، ما يمنحه قيمة تاريخية وروحية كبيرة.
تصميم معماري فريد
يتميز المسجد بتخطيط تقليدي يعكس طراز المساجد المحلية في دلتا مصر، حيث يتكون من:
- أربعة أروقة تحيط بمساحة وسطى (شخشيخة) مستطيلة
- سقف مسطح محمول على براطيم خشبية
- أعمدة حجرية مثمنة الأضلاع، كل منها منحوت من كتلة واحدة
- تيجان حجرية بسيطة خالية من الزخارف
كما يضم المسجد مقصورة خشبية مميزة في الجهة القبلية، ومنبرًا ذا مقدمة مضلعة، وهو ما يعكس مهارة الصناع في الأعمال الخشبية.
عناصر إنشائية تعزز الصلابة
اعتمد البناء على تقنيات تقليدية لزيادة التماسك، مثل:
- روابط خشبية داخل العقود لتقويتها
- بائكات متوازية مع جدار القبلة
قواعد حجرية صلبة للأعمدة
هذه العناصر ساهمت في صمود المسجد لعقود طويلة رغم التحديات البيئية.
تحديات الترميم وإعادة الإحياء
تعرض المسجد لمشكلة خطيرة نتيجة ارتفاع منسوب المياه الجوفية، ما أدى عام 1975 إلى هدم مئذنته حفاظًا على سلامة السكان، بقرار من وزارة الأوقاف المصرية.
لاحقًا، خضع المسجد لعملية ترميم شاملة تضمنت فك بعض أجزائه وإعادة تأهيلها وفق أسس علمية، حتى أعيد افتتاحه عام 2009 ليستقبل المصلين من جديد.
قيمة تراثية مستمرة
يمثل مسجد الحديدي نموذجًا حيًا للمساجد الإقليمية التي جمعت بين البساطة والوظيفة، ويعكس جانبًا مهمًا من تاريخ العمارة الإسلامية في دلتا مصر، مؤكدًا أن التراث لا يقتصر على المعالم الكبرى، بل يمتد إلى المساجد المحلية التي شكلت نسيج الحياة اليومية للمجتمع.



