العموريون في فلسطين.. كيف أسسوا واحدة من أقوى القوى السامية في بلاد الشام؟
يعد العموريون أو الأموريون من أبرز الشعوب السامية التي ظهرت في تاريخ الشرق الأدنى القديم، وقد ذكرتهم النصوص المسمارية في بلاد الرافدين باعتبارهم جماعات جاءت من المناطق الغربية واستقرت تدريجيًا في بلاد الشام وشمال الجزيرة العربية، ووصفهم بعض السومريين بأنهم أهل بادية يتميزون بالقوة والخشونة وعدم الاستقرار، حتى إن الإله “مارتو” ارتبط في الميثولوجيا السومرية بالأموريين، في تصوير يعكس نظرة سكان المدن إليهم أكثر مما يعكس واقع حياتهم، ثم تحول هؤلاء لاحقًا إلى قوة سياسية كبيرة أسست ممالك ودولًا امتد نفوذها من نهر الفرات حتى جنوب بلاد الشام.
من هم العموريون في فلسطين
وتظهر أولى الإشارات التاريخية إلى الأموريين في النصوص الأكادية خلال عهد سرجون الأكدي في القرن الثالث والعشرين قبل الميلاد، ثم ازداد حضورهم في سوريا ولبنان وفلسطين خلال الألف الثاني قبل الميلاد، حتى أصبحوا عنصرًا رئيسيًا في الحياة السياسية والعسكرية للمنطقة، كما ارتبط اسمهم بعدد من المدن القديمة، ويرى بعض الباحثين أن أسماء مثل عمريت على الساحل السوري ربما احتفظت بذكرى وجودهم، بينما أطلقت بعض النصوص المسمارية على البحر المتوسط اسم “بحر أمورو” نسبة إلى الأراضي التي سيطروا عليها.
ومن أبرز إنجازات الأموريين تأسيس مملكة ماري على نهر الفرات، التي كشفت الحفريات الأثرية في تل الحريري عن بقاياها، حيث عثر علماء الآثار على أكثر من عشرين ألف لوح مسماري تضم مراسلات سياسية ووثائق اقتصادية وإدارية وتقارير عسكرية، وقد قدمت هذه النصوص صورة دقيقة عن طبيعة الحياة في الشرق القديم، وأظهرت معرفة الأموريين باستخدام العربات ووسائل الاتصال السريعة والإشارات النارية في نقل الأخبار والدفاع عن المدن، وتعد مكتبة ماري اليوم واحدة من أهم الاكتشافات الأثرية التي ساعدت الباحثين على فهم تاريخ الشرق الأدنى القديم.
وتوضح الوثائق المكتشفة أن مدنًا مثل حلب، وجبيل، وقطنة، وحران كانت تخضع لحكام أموريين أو لسلالات ذات أصول أمورية، كما امتد نفوذهم في مرحلة من المراحل إلى مساحة واسعة بين البحر المتوسط ومرتفعات عيلام، وهو ما جعلهم من أبرز القوى السياسية في المنطقة خلال القرنين التاسع عشر والثامن عشر قبل الميلاد، وتشير أسماء عدد من الحكام والقبائل الواردة في تلك الوثائق إلى انتشار الثقافة الأمورية في أجزاء واسعة من بلاد الشام.
وفي فلسطين استقر الأموريون في مناطق متعددة، خاصة في الجنوب والمرتفعات وشرق نهر الأردن، وتذكر بعض نصوص العهد القديم أنهم كانوا من أبرز الشعوب التي سكنت البلاد قبل ظهور ممالك بني إسرائيل، كما نسبت إليهم السيطرة على عدد من المواقع الاستراتيجية والمدن المحصنة، ومن أشهرها القدس، وحبرون، ولخيش، ويرموث، وعجلون، وقد دخلوا في صراعات طويلة مع الجماعات الإسرائيلية الناشئة بحسب الروايات التوراتية، بينما تؤكد الدراسات الأثرية أن الواقع السياسي في فلسطين خلال العصر البرونزي كان أكثر تعقيدًا، إذ تعايشت شعوب متعددة، من بينها الكنعانيون والأموريون وغيرهم، داخل شبكة من المدن والممالك المستقلة.
ويرى عدد من الباحثين أن العلاقة بين الأموريين والكنعانيين كانت وثيقة للغاية، وأنهما ينتميان إلى البيئة السامية الغربية نفسها، مع وجود تقارب كبير بين لغتيهما، حتى إن كثيرًا من المتخصصين يعدون اللغة الأمورية لهجة قريبة من اللغات الكنعانية، وقد ترك الأموريون أسماء ملوك ومدن أكثر مما تركوا نصوصًا مكتوبة بلغتهم، الأمر الذي جعل دراسة تاريخهم تعتمد بدرجة كبيرة على الوثائق المكتشفة في ماري والنصوص المصرية والآشورية والبابلية.
كما ارتبطت الديانة الأمورية بعدد من المعبودات التي انتقلت لاحقًا إلى البيئة الكنعانية، ومن أشهرها الإله رشف المرتبط بالنار والصواعق، والإله داجون الذي ارتبط بالزراعة والحبوب، وقد استمرت بعض أسماء هذه المعبودات في أسماء المدن والقرى القديمة في بلاد الشام، وهو ما يعكس التأثير الديني والثقافي المتبادل بين شعوب المنطقة خلال الألفين الثالث والثاني قبل الميلاد.
وتشير الاكتشافات الأثرية والرسوم المصرية، ومنها الرسوم الشهيرة في مقبرة بني حسن، إلى تصوير جماعات سامية قادمة من بلاد الشام بملابس ملونة وأسلحة متنوعة، ويذهب بعض الباحثين إلى احتمال ارتباط هذه الجماعات بالأموريين أو بقبائل سامية معاصرة لهم، إلا أن هذا التحديد لا يحظى بإجماع علمي كامل، كما كشفت الحفريات في جنوب فلسطين عن مدن محصنة مثل لخيش وجازر وتل الحسي وتل النجيلة، التي شهدت نشاطًا عمرانيًا وعسكريًا كبيرًا خلال العصر البرونزي.
ويجمع المؤرخون على أن الأموريين كانوا من أبرز القوى السامية التي أسهمت في تشكيل تاريخ بلاد الشام قبل أكثر من أربعة آلاف عام، وأن تأثيرهم امتد إلى السياسة والاقتصاد واللغة والعمران، بينما لا تزال كثير من التفاصيل المتعلقة بأصولهم وانتشارهم محل دراسة ونقاش بين علماء الآثار والمؤرخين، مع استمرار الاكتشافات الحديثة في تقديم معلومات جديدة حول دورهم في حضارات الشرق الأدنى القديم.



