من الوصاية إلى العرش.. كيف أصبح ريتشارد الثالث أشهر ملوك إنجلترا إثارة للجدل؟

في السادس من يوليو عام 1483 اعتلى ريتشارد الثالث عرش إنجلترا في واحدة من أكثر المحطات إثارة للجدل في التاريخ الإنجليزي، فقد وصل إلى الحكم في أجواء مشحونة بصراع النفوذ، وسط اتهامات بالاستيلاء على العرش واختفاء وريثي التاج وهي الوقائع التي رسخت صورته لسنوات طويلة باعتباره “الملك الشرير”، إلا أن عددًا من المؤرخين المعاصرين أعادوا تقييم سيرته، مؤكدين أن جانبًا كبيرًا من الروايات التي لاحقته دونه خصومه السياسيون.
وفاة مفاجئة تشعل الصراع
انطلقت شرارة الأزمة في التاسع من أبريل عام 1483، عقب الوفاة المفاجئة للملك إدوارد الرابع، الذي ترك العرش لابنه إدوارد الخامس، وكان حينها في الثانية عشرة من عمره فقط. ونظرًا لصغر سنه، جرى تعيين عمه ريتشارد، دوق غلوستر، وصيًا على العرش، غير أن هذه الوصاية سرعان ما تحولت إلى مواجهة محتدمة مع أسرة الملكة إليزابيث وودفيل.
وفي الأول من مايو، تحرك ريتشارد لإحكام سيطرته على الملك الصغير في منطقة ستوني ستراتفورد، حيث ألقى القبض على عدد من أقارب الملكة، قبل أن يدخل إلى لندن برفقة الملك بصفته الحامي الشرعي له.
من الوصاية إلى التتويج
لم تستمر الوصاية طويلًا، إذ شهدت إنجلترا خلال أسابيع قليلة سلسلة من التطورات المتلاحقة، كان أبرزها إعدام اللورد هاستينغز، أحد أبرز مؤيدي الملك الراحل، ثم نقل الأمير إدوارد وشقيقه الأصغر إلى برج لندن بدعوى توفير الحماية لهما.
وفي 26 يونيو 1483، أعلن ريتشارد أحقيته في اعتلاء العرش، مستندًا إلى مزاعم تفيد بأن زواج شقيقه إدوارد الرابع من الملكة إليزابيث وودفيل لم يكن قانونيًا، بسبب ارتباط سابق للملك بإلينور باتلر، وهو ما يعني، وفقًا لهذا الادعاء، أن أبناءه لا يملكون حق وراثة التاج.
وبعد أيام قليلة، وفي السادس من يوليو، توج ريتشارد الثالث رسميًا ملكًا على إنجلترا.
لغز “أمراء البرج”
لا يزال اختفاء الأميرين إدوارد وريتشارد يعد من أكثر الألغاز غموضًا في التاريخ الإنجليزي. فمنذ صيف عام 1483، اختفى الوريثان تمامًا من برج لندن، ولم يعرف مصيرهما بعد ذلك.
وعلى الرغم من أن العديد من المؤرخين نسبوا مسؤولية اختفائهما إلى ريتشارد الثالث، فإن أي دليل حاسم يثبت مقتلهما أو يحدد الجهة التي نفذت الجريمة لم يظهر حتى الآن، لتبقى القضية واحدة من أشهر القضايا التاريخية التي لم يحسم الجدل بشأنها.
إصلاحات في ظل الأزمات
بعيدًا عن الصراعات السياسية، سعى ريتشارد الثالث إلى تقديم نفسه بوصفه حاكمًا يعمل على إصلاح الإدارة ومنظومة القضاء، فاتخذ إجراءات هدفت إلى تحسين إدارة أملاك التاج وتعزيز العدالة في الأقاليم الشمالية.
لكن فترة حكمه، التي لم تستمر سوى عامين، شهدت أزمات متلاحقة، سواء بسبب المعارضة الداخلية أو الضغوط المالية، فضلًا عن وفاة ابنه الوحيد عام 1484، ثم وفاة زوجته آن نيفيل في العام التالي، وهو ما أضعف مكانته السياسية.
النهاية في ساحة المعركة
في عام 1485، قاد هنري تيودور حملة عسكرية لاستعادة العرش، مدعومًا بقوات فرنسية وعدد من النبلاء الإنجليز. والتقى الجيشان في معركة بوسورث فيلد، التي انتهت بانتصار هنري بعدما انضمت أسرة ستانلي إلى جانبه في اللحظات الفاصلة.
والجدير بالإشارة أن ريتشارد الثالث قد قتل في ميدان المعركة، ليصبح آخر ملوك إنجلترا الذين لقوا مصرعهم أثناء القتال، وبموته انتهى حكم أسرة يورك، بينما بدأت أسرة تيودور عهدها في حكم إنجلترا بقيادة هنري السابع.
بين شكسبير والمؤرخين
كما ارتبط اسم ريتشارد الثالث في الذاكرة الشعبية بالمسرحية الشهيرة التي ألفها وليام شكسبير، والتي صورته ملكًا أحدب، شديد الطموح، لا يتردد في التخلص من أقرب المقربين إليه من أجل الوصول إلى العرش.
إلا أن عددًا من الباحثين المعاصرين يرى أن هذه الصورة تأثرت بالدعاية السياسية التي نشرها آل تيودور عقب وصولهم إلى الحكم، مؤكدين أن شخصية ريتشارد الثالث كانت أكثر تعقيدًا مما عكسته الأعمال الأدبية.



