أفكار قتلت أصحابها.. قصة قتل السهروردي من الحبس حتى الموت بأمر صلاح الدين الأيوبي
أميرة جادو
أبدًا تحن إليكم الأرواح، ووصالكم ريحانها والراح، وقلوب أهل ودادكم تشتاقكم، وإلى لذيذ لقائكم ترتاح، ورحمةً للعاشقين تكلفوا ستر المحبة والهوى فضاح، بالسر إن باحوا تباح دماؤهم، وكذلك دماء العاشقين تباح، بهذه الروح المشبعة بالعشق الإلهي، واجه شهاب الدين السهروردي مصيره، فعندما خيره حاكم حلب، الملك الظاهر الأيوبي، في طريقة موته وأي أسلوب يفضل للإعدام، وقف متأملًا تناقض الحكم وتناقض الإنسان، واختار أن يحبس بلا طعام ولا شراب حتى يهلك، وكان له ما أراد، فمضى إلى موته وهو لم يتجاوز الثامنة والثلاثين من عمره.
من هو السهروردي المقتول؟
السهروردي صوفي سلك طريق المعرفة الإلهية، فرفعه أنصاره إلى مرتبة «المؤيد بالملكوت»، بينما أنزله خصومه إلى درك الكفر والإلحاد، واتهموه بإدمان الخمر وحب المال والتقرب من السلطان، وهي اتهامات لم يقم عليها دليل.
المعروف عنه أنه كان زاهدًا، يروض الجسد بالجوع والسهر وترك المباحات، أما الخمر التي كثرت الإشارة إليها في أشعاره، فكانت رمزًا للحب الإلهي على عادة المتصوفة. وربما يكشف اختياره لطريقة موته كثيرًا من ملامح شخصيته ورؤيته للحياة والفناء.
الإعدام بأمر السلطان
كما تتجلى غرابة مقتل السهروردي في أنه أُعدم بأمر من الناصر صلاح الدين الأيوبي، بعد مطالبة فقهاء حلب بذلك، فأرسل صلاح الدين إلى ابنه، حاكم حلب، الذي عقد مناظرة بين السهروردي وفقهاء المدينة.
وبرغم تفوقه عليهم في الجدل والحجة، كان الحكم النهائي هو الإعدام، وقد رأى المدافعون عن هذا القرار أنه يمثل جانبًا «مضيئًا» في سيرة صلاح الدين، رغم أن كتب التاريخ لم تذكر أن السهروردي خرج بسيف، أو دعا إلى ثورة، أو أعلن عصيانًا، بل كان جرمه الوحيد أنه فكر على نحو مختلف.
أسئلة بلا إجابات قاطعة
كما يثير هذا الحدث سؤالين جوهريين؛ الأول يتعلق بشخصية صلاح الدين الأيوبي: هل كان بالفعل معاديًا للفلسفة وأهل المنطق وكل من يخالف ظاهر الشريعة، كما يذكر سبط الجوزي؟ أما السؤال الثاني فيرتبط بأفكار السهروردي نفسها، وما الذي جعلها سببًا مباشرًا لمقتله.
أفكار الإشراق ومأزق الاتهام
في صراع فقهاء حلب مع السهروردي، اتهموه بتبني أفكار القرامطة، وشهروا برأيه في النبوة، حين قال أمام السلطان الظاهر الأيوبي: «إن الله قادر على أن يخلق نبيًا، لأن قدرته لا حد لها».
ورأى بعضهم في هذا القول مدخلًا لإنهاء نبوة محمد صلى الله عليه ، بينما ذهب آخرون إلى أن المقصود هو التأكيد على أن قدرة الله لا تقف عند حدود.
تأثر السهروردي بفلاسفة اليونان، وعلى رأسهم أفلاطون، كما استلهم العقائد الفارسية القديمة وفلسفة زرادشت، ثم مزج كل ذلك بالدين الإسلامي وتجارب الصوفية المسلمين.
ومن هذا التمازج، نقل إلى الفكر الإسلامي مذهب «الإشراق»، الذي يقوم في جوهره على أن النور هو أصل الوجود، وأن الله سبحانه وتعالى هو «النور الأعلى»، وأن سائر العوالم أنوار مستمدة من النور الأول، وبهذا التصور، حاول السهروردي تفسير الوجود ونشأة الكون والإنسان، فكان فكره سبب خلوده، ومحنته سبب موته.



