تاريخ ومزارات

قدور بن غبريط.. مؤسس مسجد باريس الكبير بين الدبلوماسية وخدمة المسلمين والجدل السياسي

يعد عبد القادر بن غبريط، المعروف باسم “قدور بن غبريط”، واحدًا من أكثر الشخصيات الجزائرية إثارة للجدل في تاريخ القرن العشرين، فقد جمع بين العمل الدبلوماسي والإدارة الدينية، ولعب دورًا محوريًا في تأسيس مسجد باريس الكبير، كما ارتبط اسمه بإدارة شؤون المسلمين في فرنسا خلال فترة الاستعمار، إلا أن علاقته الوثيقة بالسلطات الفرنسية ومواقفه السياسية أثارت خلافًا واسعًا بين المؤرخين والباحثين، في الوقت الذي ارتبط فيه اسمه أيضًا بقصص إنسانية تتحدث عن إنقاذ يهود من ملاحقة الاحتلال النازي أثناء الحرب العالمية الثانية.

من هو قدور بن غبريط

ولد عبد القادر بن غبريط في الأول من نوفمبر عام 1868 بمدينة سيدي بلعباس غرب الجزائر، وتنحدر أسرته من مدينة تلمسان، وتلقى تعليمه الأول في المدرسة الثعالبية بالجزائر، حيث درس العلوم الشرعية واللغة العربية، قبل أن ينتقل إلى جامعة القرويين بمدينة فاس المغربية، ليكتسب تكوينًا علميًا ولغويًا متميزًا مكّنه من إتقان العربية والفرنسية، وهو ما فتح أمامه أبواب العمل الإداري والدبلوماسي في سن مبكرة.

بدأ مسيرته المهنية مترجمًا قضائيًا في الجزائر، ثم انتقل إلى المغرب حيث شارك في عدد من المهام الإدارية خلال فترة الإصلاحات التي شهدتها البلاد في عهد السلطان الحسن الأول، كما أسس عام 1904 مدرسة فرنسية عربية بمدينة طنجة، وتولى مهام الترجمة الرسمية بين القصر المغربي والسلطات الفرنسية، ليصبح أحد أبرز الوسطاء في الاتصالات السياسية والدبلوماسية التي سبقت فرض الحماية الفرنسية على المغرب عام 1912.

ومع اتساع نفوذه، تولى منصب مدير البروتوكول الشريف، وهو من أعلى المناصب داخل البلاط السلطاني، كما رُقي إلى رتبة وزير مفوض، وشارك في العديد من البعثات الرسمية، ومن بينها بعثة فرنسية إلى الحجاز عام 1916، وهو ما عزز مكانته لدى الإدارة الفرنسية، خاصة لدى المقيم العام الفرنسي في المغرب هوبير ليوطي، الذي كان يرى فيه شخصية قادرة على بناء جسور التواصل مع العالم الإسلامي.

ويُعد اسم قدور بن غبريط مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بمسجد باريس الكبير، إذ كان صاحب الدور الأبرز في وضع الأساس القانوني للمشروع عندما أنشأ عام 1917 جمعية الأوقاف والأماكن المقدسة للإسلام، ثم جرى تطوير أهدافها لتشمل إنشاء مسجد ومعهد إسلامي في العاصمة الفرنسية، وسعى من خلال هذا المشروع إلى تخليد ذكرى آلاف الجنود المسلمين الذين قاتلوا في صفوف الجيش الفرنسي خلال الحرب العالمية الأولى، إضافة إلى توفير مركز ديني وثقافي يخدم المسلمين المقيمين في فرنسا.

وبفضل شبكة علاقاته الواسعة، نجح في الحصول على دعم سياسي ومالي كبير للمشروع، حيث وافق البرلمان الفرنسي على تخصيص ميزانية لبناء المسجد، وانطلقت أعمال التشييد عام 1922، قبل افتتاحه رسميًا في 15 يوليو عام 1926، ليصبح أحد أبرز المعالم الإسلامية في أوروبا، كما تولى بن غبريط منصب أول عميد لمسجد باريس الكبير، وظل يشرف على إدارته حتى وفاته، وأسهم في تحويله إلى مركز ديني وثقافي يستقبل المسلمين من مختلف الجنسيات.

مواقفه السياسية

ورغم هذه الإنجازات، بقيت مواقفه السياسية محل انتقاد واسع، إذ اتهمه كثير من الوطنيين الجزائريين والمغاربة بالاقتراب من الإدارة الاستعمارية الفرنسية، كما تعرض لانتقادات بسبب تأييده بعض السياسات الفرنسية، ومن بينها موقفه المؤيد لقصف مدينة دمشق خلال قمع الثورة السورية الكبرى عام 1925، ورفضه السماح لمناضلي الحركات التحررية باستخدام مسجد باريس الكبير منبرًا لمهاجمة الاستعمار، كما عارض الحركة الوطنية الجزائرية، وهو ما أدى إلى تراجع شعبيته بين أنصار الاستقلال، وانتقده عدد من رموز الإصلاح وفي مقدمتهم الشيخ عبد الحميد بن باديس.

وفي المقابل، ارتبط اسمه بإحدى أكثر الصفحات الإنسانية إثارة للاهتمام خلال الحرب العالمية الثانية، إذ تشير شهادات تاريخية وروايات متعددة إلى أن مسجد باريس الكبير، خلال فترة إدارته، وفر الحماية لعدد من اليهود الفارين من ملاحقة الاحتلال النازي، من خلال منح بعضهم وثائق تثبت انتماءهم للإسلام، أو إيوائهم داخل المسجد، كما تحدثت روايات عن استخدام ممرات سرية للمساعدة في تهريب بعض المطلوبين بعيدًا عن قوات الاحتلال، ورغم أن حجم هذه العمليات وعدد المستفيدين منها لا يزال محل نقاش بين المؤرخين، فإن كثيرًا من الدراسات تؤكد أن المسجد أدى بالفعل دورًا إنسانيًا مهمًا في تلك المرحلة، بمشاركة عدد من الأئمة والعاملين فيه.

وظل قدور بن غبريط يشغل منصب عميد مسجد باريس الكبير حتى وفاته في العاصمة الفرنسية باريس يوم 24 يونيو عام 1954 عن عمر ناهز 86 عامًا، تاركًا وراءه إرثًا معقدًا يجمع بين الإنجازات الدينية والثقافية والجدل السياسي، ولا تزال سيرته حتى اليوم محل دراسة ونقاش بين الباحثين باعتبارها واحدة من أكثر الشخصيات تأثيرًا وإثارة للاختلاف في تاريخ العلاقات بين فرنسا والعالم الإسلامي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى