تاريخ ومزارات

طقوس القهوة الإثيوبية.. تقليد اجتماعي عريق يبدأ من تحميص الحبوب وينتهي بثلاثة أكواب من الضيافة

في إثيوبيا، لا تعد القهوة مجرد مشروب يومي، بل هي جزء أصيل من الهوية الوطنية والتراث الثقافي، وطقس اجتماعي متوارث يجمع العائلات والجيران كل يوم. فمنذ لحظة تحميص حبوب البن وحتى تقديم الكوب الثالث، تتحول عملية إعداد القهوة إلى احتفال يومي يعكس قيم الكرم والتواصل والمحبة.

في منطقة كافا، التي تُعرف بأنها موطن القهوة في إثيوبيا، تبدأ السيدة هاجري بيكيلي يومها بتحميص حبوب البن الخضراء على النار حتى تنتشر رائحتها الزكية، ثم تطحنها يدويًا قبل أن تضعها داخل الجبينة، وهو إناء فخاري تقليدي ذو عنق طويل وبطن منتفخ يُستخدم لتحضير القهوة بالطريقة الإثيوبية الأصيلة. وبعد غليانها تصبح القهوة جاهزة للتقديم.

ويتولى ابنها أبراهام سكب القهوة في أكواب صغيرة تملأ حتى حوافها، وتقدم معها شرائح سميكة من الخبز وحفنة من الحبوب المحمصة المعروفة باسم “كولو”، وهي وجبة خفيفة ترافق جلسة القهوة.

ولا تنتهي المراسم عند الكوب الأول، إذ تُعاد عملية الغلي مرتين إضافيتين، ليقدم للضيوف ثلاثة أكواب متتالية، ويُعتبر الاكتفاء بكوب أو اثنين مخالفة لعادات الضيافة المتوارثة. وخلال الجلسة، تحرق هاجري البخور، اعتقادًا بأن رائحته تمنح القهوة نكهة أفضل، بينما يعتقد آخرون أنه يطرد الأرواح الشريرة.

ساعة كاملة لإعداد القهوة

تستغرق مراسم إعداد القهوة الإثيوبية نحو ساعة كاملة، لكنها ليست مسؤولية شخص واحد دائمًا، ففي كثير من القرى تتقاسم العائلات هذه المهمة فيما بينها. ففي منزل هاجري، تتولى هي إعداد القهوة وقت الغداء، بينما يُعدها جارها وينيتو جبري صباحًا، أما في المساء فتجتمع العائلة في منزل والدة زوجها لتناول الجولة الأخيرة من القهوة.

ويعد هذا النظام من العادات المتوارثة منذ عقود، ولا يزال يمارس بأشكال مختلفة في ملايين المنازل الإثيوبية، حيث تمثل جلسة القهوة فرصة يومية للقاء أفراد الأسرة والجيران.

وتقول هاجري: “من المستحيل أن نعيش بدون القهوة، فهي بالنسبة لنا لا تقل أهمية عن الطعام، وعندما نشربها نشعر بالقوة.”

نكهات تختلف من منطقة لأخرى

في معظم أنحاء إثيوبيا تحلى القهوة بالسكر، لكن سكان منطقة كافا يفضلون شربها دون سكر، بينما يضيف البعض قليلًا من الملح بدلًا منه.

وفي المناسبات الخاصة تضاف إلى القهوة مكونات تقليدية تمنحها نكهة مميزة، مثل خليط الزبدة مع الريحان والأوريجانو والهيل، فيما يستخدم آخرون نبات الحرمل المعروف محليًا باسم تينادام، وهو نبات طبي شائع في المنطقة.

أكثر من مجرد مشروب

لا تقتصر جلسات القهوة على تناول الشراب، بل تُعد مناسبة يومية لتبادل الأخبار، ومناقشة شؤون العمل في المزارع، وحل المشكلات الاجتماعية، وتقوية العلاقات بين أفراد المجتمع.

ويقول وينيتو جبري: “إذا شعرنا بالحزن أو الاكتئاب، فإن جلسة القهوة تساعدنا على استعادة نشاطنا.”

لكن البعض يرى أن هذه الطقوس تستغرق وقتًا طويلًا، ومنهم المزارع بوجال ديسالين، الذي يقول إنه يفضل استثمار الوقت في العمل، رغم اعترافه بأنه لا يزال يشرب نحو أربعة أكواب من القهوة يوميًا، بعد أن كانت عائلته تتشارك جلسات القهوة مع عشر عائلات أخرى، بينما أصبحت اللقاءات الجماعية تقتصر اليوم على المناسبات والعطلات.

القهوة.. عصب الاقتصاد الإثيوبي

لا تمثل القهوة قيمة اجتماعية فقط، بل تُعد أيضًا الركيزة الأساسية للاقتصاد الإثيوبي، إذ يعتمد عليها ملايين المزارعين في معيشتهم.

ويبلغ عدد مزارعي البن في إثيوبيا نحو خمسة ملايين مزارع، ينتجون ما يقارب نصف مليون طن من البن سنويًا، لتصبح البلاد واحدة من أكبر منتجي البن في العالم. كما تُعد القهوة أكبر صادرات إثيوبيا، وتوفر فرص عمل مباشرة وغير مباشرة لنحو ربع السكان.

ويؤكد المزارع بوجال ديسالين أن محصول البن الذي يجنيه من هكتار واحد يوفر له دخلًا سنويًا يكفي لتعليم أطفاله وشراء احتياجات أسرته، مضيفًا: “لقد جعلت القهوة من كافا مكانًا غنيًا.”

كافا.. مهد البن العربي

تعد غابات كافا من الأماكن القليلة في العالم التي لا يزال البن ينمو فيها طبيعيًا، ويعتقد كثير من الباحثين أنها الموطن الأصلي لبن أرابيكا الشهير.

وترتبط المنطقة بأسطورة الراعي كالدي، الذي يقال إنه لاحظ النشاط غير المعتاد لماعزه بعد تناولها ثمار شجرة البن، فجرّبها بنفسه، ومن هنا بدأت رحلة اكتشاف القهوة، قبل أن تنتقل من أديرة إثيوبيا إلى الجزيرة العربية، ومنها إلى أوروبا والعالم.

ورغم أن هذه الرواية تعد من الأساطير الشعبية، فإنها لا تزال جزءًا مهمًا من التراث الإثيوبي، ويشير بعض الباحثين إلى التشابه بين اسم منطقة كافا وكلمة القهوة في اللغة العربية.

بين التراث والحداثة

حتى اليوم، تحتفظ القهوة بمكانتها في حفلات الزفاف والجنازات والاحتفالات الدينية، كما أصبحت رمزًا للوحدة الاجتماعية في بلد يضم أكثر من 120 مليون نسمة وينتمي سكانه إلى ثقافات وأعراق متعددة.

وفي المدن الكبرى، انتشرت المقاهي الحديثة التي تقدم مشروبات الإسبريسو والماكياتو لتلبية احتياجات الحياة السريعة، وتعد سلسلة توموكا (Tomoca)، التي تأسست عام 1953، أشهر هذه المقاهي، حيث توسعت إلى أكثر من عشرين فرعًا، وأصبحت تلقب بـ”ستاربكس إثيوبيا”.

ورغم هذا التطور، يؤكد كثير من الإثيوبيين أن القهوة التقليدية ما زالت تحتفظ بمكانتها الخاصة، لأنها ليست مجرد مشروب، بل تجربة اجتماعية وثقافية متكاملة تربط الأجيال وتحافظ على واحد من أعرق التقاليد في تاريخ البلاد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى