قبائل و عائلات

الخانقاه الصلاحية.. أول خانقاه أنشأها صلاح الدين الأيوبي في القدس بعد التحرير

في قلب مدينة القدس العتيقة، وخلف كنيسة القيامة مباشرة، تقف الخانقاه الصلاحية شاهدة على مرحلة مهمة من تاريخ المدينة بعد تحريرها من الصليبيين، فقد أنشأها السلطان صلاح الدين الأيوبي عقب استعادة القدس عام 583هـ الموافق 1187م، ثم أوقفها بعد عامين على الصوفية، لتصبح أول خانقاه أُنشئت في القدس بعد التحرير، ومركزًا للعبادة والعلم والتعليم.

ما معنى الخانقاه؟

كلمة “الخانقاه” معربة من اللغة الفارسية، وتعني المكان الذي يعتكف فيه المتصوفة للعبادة والتزكية، ولذلك جاء تصميمها ليجمع بين خصائص المسجد والمدرسة، بينما عُرفت الغرف التي يقيم فيها المتصوفة باسم “الخلاوي”، وقد انتشرت الخوانق في العالم الإسلامي، ومن أشهرها خانقاه السلطان بيبرس.

تاريخ الخانقاه الصلاحية

شُيدت الخانقاه الصلاحية في موقع كان يُعرف سابقًا بدار بطرك الصليبيين اللاتين، ويجاور كنيسة القيامة من جهتيها الشمالية والغربية، وهو موقع يتمتع بأهمية استراتيجية كبيرة.

وتذكر المصادر التاريخية أن صلاح الدين الأيوبي حرص على تحويل هذا المكان إلى منشأة إسلامية بعد التحرير، كما تشير بعض الروايات إلى أنه أراد أن يكون الموقع مركزًا للمراقبة، خوفًا من استخدام الصليبيين الكنيسة في عقد الاجتماعات أو إخفاء الأسلحة، ولذلك بقيت مفاتيح أسطح الكنيسة في عهدة عائلات مقدسية مسلمة حتى اليوم.

وفي عام 840هـ الموافق 1436م، أنشأ شيخ الخانقاه برهان الدين بن غانم مئذنة جميلة للمجمع، بينما تشير لوحة رخامية داخل المسجد إلى أعمال تجديد تمت سنة 741هـ الموافق 1340م في عهد المتولي عيسى بن أحمد بن غانم.

كما تزخر سجلات محكمة القدس الشرعية بالعديد من الوثائق التي توثق أوقاف الخانقاه وإدارتها وشؤونها التعليمية والاجتماعية، وتبين أن صلاح الدين أوقف عليها حمام البطريك وبركته، وبركة مأملا، وأراضي زراعية في البقعة، إلى جانب عدد من الحواكير والدور والدكاكين، لضمان استمرار الإنفاق عليها.

تصميم معماري متكامل

الخانقاه الصلاحية ليست مجرد مسجد، بل هي مجمع معماري متكامل يتكون من عدة طوابق، لكل منها وظيفة محددة.

فالطابق السفلي يضم غرفًا لا تزال مأهولة بسكان مقدسيين، أما الطابق الثاني فيحتوي على مسجد كبير وآخر صغير إلى جانب مقر الخانقاه، ويتميز المسجد الكبير بمحراب جميل ونقش رخامي يوثق أعمال التجديد التاريخية.

ويضم الطابق الثالث المدرسة، بينما يحتوي الطابق الأخير على منزل كان مخصصًا لمتولي الوقف عبد المعطي العلمي، وتسكنه اليوم ابنته.

كما تضم الخانقاه قاعة عامة للجلوس، وصالة للطعام، ومكانًا للتدريب العسكري، وهو ما جعلها في عصرها مركزًا دينيًا وتعليميًا واجتماعيًا متكاملًا يخدم المسلمين في القدس.

دورها العلمي والديني

أدت الخانقاه الصلاحية دورًا بارزًا في الحركة الفكرية والعلمية بمدينة القدس، حيث خُصصت لتعليم القرآن الكريم وتجويده، وحفظ الحديث النبوي الشريف، وكان القرآن يتلى فيها يوميًا بعد صلاة العصر، كما كان قراؤها يتلون القرآن في المسجد الأقصى كل يوم جمعة بعد شروق الشمس.

ومع مرور الزمن أضيفت إليها مرافق جديدة، مثل مساكن وفرن ومتاجر وبركة عُرفت باسم بركة السلطان أو بركة البطرك، مما زاد من أهميتها الاقتصادية والاجتماعية.

الخانقاه اليوم

لا تزال الخانقاه الصلاحية تؤدي رسالتها التعليمية حتى اليوم، إذ تضم مدرسة تابعة للأوقاف الإسلامية تُعرف باسم “الخانقاه الأساسية الشرعية”، وتدرس المراحل الابتدائية من الصف الأول حتى السادس، ويتلقى فيها الطلاب العلوم الشرعية إلى جانب المناهج التعليمية، بينما تعتمد أعمال الصيانة والإصلاح فيها على التبرعات المقدمة للأوقاف الإسلامية.

ورغم أن كثيرًا من غرفها تحولت مع مرور الزمن إلى مساكن، فإن مسجدها ما زال عامرًا بإقامة الصلوات الخمس، لتبقى الخانقاه الصلاحية واحدة من أبرز المعالم الإسلامية والتاريخية في القدس، وشاهدًا حيًا على جهود صلاح الدين الأيوبي في إعادة بناء الحياة الدينية والعلمية بالمدينة بعد تحريرها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى