في ذكرى وصوله إلى القاهرة.. كيف بدأ عمر مكرم رحلة الزعامة؟

تمر اليوم ذكرى وصول عمر مكرم إلى القاهرة قادمًا من صعيد مصر مثل هذا اليوم من عام 1791 في محطة فارقة شكلت نقطة تحول في مسيرته ومهدت الطريق أمامه ليصبح أحد أبرز الرموز الوطنية في تاريخ مصر الحديث، فمنذ استقراره في العاصمة، انخرط في الحياة العلمية والدينية داخل الأزهر الشريف، قبل أن يبرز كزعيم شعبي قاد المصريين في مواجهة الاحتلال والظلم ويصبح صاحب التأثير الأكبر بين العلماء وعامة الشعب.
من صعيد مصر إلى الأزهر
ولد عمر مكرم عام 1750 بمدينة أسيوط في أسرة من الأشراف اشتهرت بالعلم والمكانة الدينية، وتلقى تعليمه الأول في الصعيد، ثم انتقل إلى القاهرة لاستكمال دراسته في الأزهر الشريف، حيث لفت الأنظار بعلمه وشخصيته القيادية، الأمر الذي أهله لتولي منصب نقيب الأشراف، وهو من أهم المناصب الدينية والاجتماعية في مصر خلال تلك الحقبة.
ولم يكن منصب نقيب الأشراف مجرد لقب أو مكانة شرفية، بل منحه حضورًا واسعًا بين المصريين، وجعله قريبًا من قضاياهم اليومية، حتى تحول إلى المتحدث باسمهم والمدافع عن حقوقهم في مواجهة الحكام.
قائد المقاومة ضد الحملة الفرنسية
مع دخول الحملة الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت إلى مصر عام 1798، كان عمر مكرم من أوائل العلماء الذين أعلنوا رفضهم للاحتلال، وأسهم في تحفيز المصريين على مقاومته، كما كان له دور بارز في ثورتي القاهرة الأولى والثانية، وظل رمزًا للمقاومة الشعبية حتى رحيل القوات الفرنسية عن مصر عام 1801.
وعقب انتهاء الاحتلال، واصل عمر مكرم نشاطه السياسي، وواجه محاولات المماليك والعثمانيين فرض نفوذهم على البلاد، مؤكدًا أن إرادة المصريين يجب أن تكون الأساس في اختيار من يتولى حكمهم.
صانع وصول محمد علي إلى الحكم
ويعتبر عمر مكرم الشخصية الأكثر تأثيرًا في وصول محمد علي باشا إلى حكم مصر عام 1805، بعدما قاد العلماء والأعيان والجماهير للمطالبة بعزل الوالي العثماني خورشيد باشا بسبب سوء إدارته، وأصر على تولي محمد علي الحكم وفق شروط تضمن تحقيق العدالة ورعاية مصالح المصريين.
كما تشير المصادر التاريخية إلى أن عمر مكرم خاطب محمد علي مؤكدًا أن الشعب هو من اختاره، وأن الحاكم مسؤول أمام الأمة، في طرح مبكر لفكرة أن شرعية السلطة تنبع من رضا الشعب، وليس فقط من قرارات الباب العالي.
من الحليف إلى الخصم
لم تستمر العلاقة بين عمر مكرم ومحمد علي على الوتيرة نفسها، فبعد أن تمكن محمد علي من تثبيت أركان حكمه، بدأ في الحد من نفوذ العلماء والزعامات الشعبية، واعتبر عمر مكرم منافسًا يمتلك مكانة كبيرة بين المصريين.
وفي عام 1809، أصدر محمد علي قرارًا بعزل عمر مكرم من منصب نقيب الأشراف، ونفاه إلى مدينة دمياط، حيث ظل بعيدًا عن الساحة السياسية لعدة سنوات، قبل أن يسمح له بالعودة إلى القاهرة في السنوات الأخيرة من حياته.
نهاية الزعيم الشعبي
والجدير بالذكر أن عمر مكرم قضي سنواته الأخيرة بعيدًا عن النفوذ السياسي الذي لعب دورًا كبيرًا في صنعه، لكنه ظل يحتفظ بمكانته الرفيعة في قلوب المصريين، حتى رحل عام 1822، تاركًا إرثًا وطنيًا كبيرًا باعتباره أحد أوائل الزعماء الذين جسدوا إرادة الشعب، ودافعوا عن حق المصريين في مقاومة الاستبداد والمطالبة بالحكم العادل.



