لواء دكتور سمير فرج يكتب.. ماذا يحدث في المحيط الهادي
بينما العالم كله مشغول بما يحدث في مضيق هرمز والصراع بين أمريكا وإيران، والكل يسأل: متى يتحقق السلام؟ ومتى يفتح مضيق هرمز للملاحة الدولية؟ نجد أن هناك أحداثًا تحدث بعيدًا في جنوب شرق آسيا، في المحيط الهادئ، وبالتحديد بين اليابان والصين.
فبعد أن انتهت الحرب العالمية الثانية رسميًا في 2 سبتمبر 1945، بعد توقيع وثيقة استسلام اليابان على متن البارجة الأمريكية “ميزوري”، قرر البرلمان الياباني أن اليابان لن تدخل أي حروب بعد ذلك، كما قرر حل الجيش الياباني والاكتفاء بقوات حرس الحدود والسواحل، واعتمدت اليابان في أمنها على الوجود العسكري الأمريكي، وخاصة أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في المنطقة، وهي قاعدة أوكيناوا في اليابان.
وظل الأمر على هذا المنوال حتى قامت روسيا بالاستيلاء على مجموعة جزر الكوريل اليابانية، وانتظرت اليابان أن تقوم الولايات المتحدة بالدفاع عنها واستعادة هذه الجزر، ولكن الولايات المتحدة لم تدخل في مواجهة عسكرية مع الاتحاد السوفيتي من أجل اليابان.
ومن هنا قررت اليابان أن تعيد تكوين جيشها الجديد، ولكن بعقيدة مختلفة تعتمد على التكنولوجيا المتقدمة التي وصلت إليها الدولة اليابانية في مختلف المجالات، ليصبح الجيش الياباني حاليًا أحد أقوى الجيوش في العالم طبقًا لتصنيفات القوة العسكرية الحديثة.
واليوم تشهد منطقة المحيطين الهندي والهادئ محاولات استراتيجية متسارعة تعيد رسم موازين القوى العالمية خلال السنوات المقبلة، وفي هذا الجزء من العالم بدأت اليابان تتخلى تدريجيًا عن القيود التي فرضت عليها بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وتعود لبناء قوة عسكرية مؤثرة في المنطقة.
لذلك قامت رئيسة الوزراء اليابانية سَناي تاكاييتشي، والتي يرى العديد من الباحثين أنها تمثل توجهًا جديدًا وقويًا داخل اليابان، بالدعوة إلى تعزيز القوة العسكرية اليابانية وزيادة الإنفاق الدفاعي، وتحويل اليابان إلى قوة ردع قادرة على مواجهة التحديات المتزايدة في المنطقة المحيطة بها.
ويأتي ذلك في ظل تصاعد القوة العسكرية الصينية، وتزايد التوترات في بحر الصين الشرقي وبحر الصين الجنوبي، إلى جانب الخلافات المستمرة حول بعض الجزر والممرات البحرية الاستراتيجية، وهو ما دفع اليابان إلى إعادة النظر في مفاهيم الأمن القومي التي استمرت لعقود طويلة بعد الحرب العالمية الثانية.
ومن هنا يرى العديد من المحللين أن منطقة جنوب شرق آسيا قد تكون خلال السنوات القادمة واحدة من أهم مناطق الصراع والتنافس الاستراتيجي في العالم، وأن ما يحدث اليوم بين اليابان والصين قد يكون مقدمة لتحولات كبيرة في شكل النظام الدولي وموازين القوى العالمية خلال العقود القادمة.
ومن أبرز هذه الخطوات تحويل الجزر اليابانية الجنوبية الغربية إلى قلاع عسكرية متقدمة، وعلى رأسها جزيرة يوناغوني، أقصى الجزر اليابانية غرباً، والتي تبعد نحو 110 كيلومترات فقط عن تايوان. وتخطط اليابان لتحويل هذه الجزيرة إلى مركز متقدم للردع العسكري، من خلال نشر منظومات صاروخية متطورة تشمل صواريخ “شو سام تايب 3” القادرة على اعتراض الطائرات المقاتلة والصواريخ الباليستية وصواريخ كروز قبل وصولها إلى المجال الجوي الياباني، وذلك بحلول عام 2030.
وتنظر اليابان إلى يوناغوني باعتبارها خط الدفاع الأول في أي سيناريو محتمل لاندلاع مواجهة عسكرية حول تايوان، خاصة أنها تشكل بوابة طبيعية بين بحر الصين الشرقي والمحيط الهادئ.
وتؤكد الحكومة اليابانية أن هذه الخطوات تهدف إلى حماية أمن البلاد، إلا أن الصين ترى الأمر بصورة مختلفة تماماً. فقد اعتبرت بكين أن عسكرة الجزر اليابانية القريبة من تايوان تمثل استفزازاً مباشراً لها، خاصة بعد تصريحات رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي التي أكدت أن أي هجوم صيني على تايوان قد يشكل تهديداً مباشراً لبقاء اليابان، وهو ما قد يستدعي رداً عسكرياً يابانياً.
وقد أثارت هذه التصريحات أزمة دبلوماسية بين البلدين، حيث وصفتها الصين بأنها تجاوز للخطوط الحمراء وتدخل مباشر في شؤونها الداخلية، معتبرة أن نشر أسلحة هجومية يابانية بالقرب من تايوان يمثل محاولة متعمدة لخلق توتر إقليمي قد يقود إلى مواجهة عسكرية واسعة.
وزادت المخاوف الصينية مع مشاركة اليابان في مناورات عسكرية قتالية غير مسبوقة إلى جانب الولايات المتحدة في أوكيناوا والجزر الجنوبية الغربية. وشارك في هذه المناورات نحو 1400 جندي ياباني، واستخدم خلالها صاروخ كروز لإغراق هدف بحري قبالة سواحل جزيرة لوزون، في مؤشر واضح على انتقال اليابان من مفهوم الدفاع التقليدي إلى مفهوم الردع والهجوم المضاد.
ورغم كل هذه التحولات، لا يزال الرأي العام الياباني منقسماً تجاه عسكرة البلاد. فالتظاهرات الرافضة للحرب والإنفاق العسكري ما زالت حاضرة، كما يعارض قطاع واسع من المجتمع أي تعديل للمادة التاسعة من الدستور.
ويرى عدد من الخبراء أن اليابان لا تتحرك بشكل مستقل بالكامل، بل في إطار استراتيجية أمريكية أوسع تستهدف احتواء الصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. كما يحذر البعض من أن أي مواجهة حول تايوان قد تدفع اليابان إلى صراع مباشر لم تختره بنفسها.
ويبقى السؤال الأهم: هل تنجح اليابان في تحقيق معادلة الردع وحماية أمنها القومي دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية واسعة مع الصين؟ أم أن منطقة المحيطين الهندي والهادئ تتجه بالفعل نحو مرحلة جديدة من الصراع قد تعيد تشكيل النظام الدولي خلال العقود القادمة؟

