المفكر العربي على محمد الشرفاء الحمادي يكتب.. عودوا إلى الله
-في زمنٍ تهاوت فيه القيم كأبراجٍ من ورق، واهتزت فيه البصائر حتى صار الباطل حقًا والحق مستغربًا، نشهد انحدارًا مهولًا في المفاهيم، يُزلزل العقيدة، ويطمس نور التوحيد الذي جاء به النبي محمد ﷺ رحمةً للعالمين.
مشاهد تدمع لها القلوب قبل العيون، لا لعجائبها، بل لما تكشفه من ضياع وانحراف عن جوهر الدين. نرى أيدي الناس تُرفع، لا لرب السماء، بل لقبورٍ صامتة، لأضرحة زُينت فوق رفات بشرٍ ماتوا لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا. تُطلب منهم الحاجات، ويُرتجى منهم الفرج، وكأنهم يملكون خزائن الغيب أو مفاتيح الرحمة.
يا حسرةً على العقول! كيف يُستبدل القادر العليم بمن لا يملك لنفسه موتًا ولا حياةً ولا نشورًا؟! كيف يُترك باب الله المفتوح، ويُطرق باب من لا يسمع ولا يستجيب؟!
إنها دعوة صادقة، من قلبٍ يغار على العقيدة، أن عودوا إلى الله، فهو القريب المجيب السميع العليم، لا يُرد من دعاه، ولا يُخيب من رجاه. قال الله تعالى: “وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعِ إذا دعان” (البقرة: 186).
فهل بعد هذا الوضوح من لبس؟ وهل يُعقل أن نترك هذا القرب الإلهي وهذه الاستجابة الربانية، لنهرع إلى من هم بحاجة إلى دعاء الأحياء لأنفسهم؟
لقد أنزل الله كتابه، وجعل فيه الهدى والنور، وأمرنا باتباعه فقال: “إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم” (الإسراء: 9). فما بالنا نبحث عن الهداية في القبور؟ وكيف نرجو الاستقامة من طرق ما أنزل الله بها من سلطان؟
لقد كانت خارطة الطريق إلى الله واضحة؛ تبدأ بالتوحيد وتنتهي بالرضوان. وها نحن نبدلها بخريطة من الخرافة والبدع والتعلق بمن لا ينفعون ولا يضرون.
إن القرآن الكريم، وهو كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، حذرنا من الغلو في الصالحين ورفع البشر فوق منزلتهم، فحين قال أهل الجاهلية: “ما نعبدهم إلا ليقرّبونا إلى الله زلفى”، ردّ الله عليهم بقوله: “إن الله يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفّار” (الزمر: 3). وقال الله سبحانه: “إن الذين تدعون من دون الله عبادٌ أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين” (الأعراف: 194).
فأي بيان أوضح من هذا؟ أليسوا عبادًا مثلنا؟ فلم التوسل بهم وقد أعجزهم الموت عن الإجابة؟


