كتابنا

علاء عبدالله يكتب: رسالة السلام عند الشرفاء الحمادي.. كيف يقدم القرآن مشروعًا لبناء الإنسان قبل بناء الأوطان؟

في زمن تتزايد فيه الصراعات وتتصاعد فيه المخاوف الإنسانية وتتراجع فيه قيم التفاهم لصالح الاستقطاب والانقسام، يطرح المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي رؤية تقوم على إعادة النظر إلى مفهوم الأمن والسلام من زاوية مختلفة؛ زاوية لا تبدأ من السياسة ولا من توازنات القوة، وإنما تبدأ من الإنسان نفسه.

في البيان الذي أوضح فيه مضامين مؤسسة رسالة السلام العالمية، يقدم الشرفاء الحمادي تصورًا يرى أن السلام ليس حالة مؤقتة تفرض بالقوانين أو تنتزع بالاتفاقات، بل هو نتيجة طبيعية لمنهج حياة متكامل يجد جذوره في القرآن الكريم، ويبدأ من بناء الداخل الإنساني قبل معالجة مظاهر الاضطراب الخارجية.

الفكرة المركزية في هذا الطرح أن الإنسان ظل عبر التاريخ يبحث عن الأمن باعتباره شرطًا للحياة الطبيعية، فلا إبداع مع الخوف، ولا استقرار مع القلق، ولا تنمية في ظل النزاع المستمر، ومن هنا تأتي أهمية الربط الذي يقدمه الخطاب القرآني – وفق رؤية الشرفاء الحمادي – بين الهداية وبين الطمأنينة باعتبار أن الاستقامة على القيم ليست تكليفًا مجردًا، بل طريقًا لتحقيق التوازن النفسي والاجتماعي.

وتبدو واحدة من أكثر النقاط حضورًا في هذه الرؤية هي أن السلام الحقيقي لا يبدأ من الخارج وإنما يبدأ من داخل الإنسان، فالشخص الذي تحكمه مشاعر الحقد أو الظلم أو الطمع أو الخوف يظل عاجزًا عن الوصول إلى حالة السكينة مهما امتلك من أدوات القوة أو مظاهر النجاح، ومن هنا يركز الطرح على القيم التي يكرر القرآن التأكيد عليها؛ مثل الصبر والعفو والرحمة والإحسان باعتبارها أدوات لإعادة تشكيل العلاقة بين الإنسان ونفسه أولًا ثم بينه وبين المجتمع.

كما يضع الشرفاء الحمادي مفهوم العدل في مركز مشروع الأمن المجتمعي، فالعدل هنا لا يظهر باعتباره قيمة قانونية فقط بل بوصفه قاعدة نفسية واجتماعية تمنح الإنسان الشعور بالكرامة والثقة والاستقرار، وعندما يشعر الإنسان أن حقوقه مصونة وأن القانون يطبق على الجميع، يصبح المجتمع أكثر قدرة على تجاوز أسباب التوتر والانقسام.

وفي هذا السياق، يستعيد الطرح المعنى القرآني الذي يربط بين العدل والإحسان باعتبارهما أساسًا لاستقرار المجتمعات واستمرارها، ولا يتوقف التصور عند حدود العلاقات الكبرى داخل المجتمع بل يمتد إلى التفاصيل اليومية التي قد تبدو صغيرة لكنها شديدة التأثير مثل الكلمة وطريقة الخطاب، إذ يرى الشرفاء الحمادي أن كثيرًا من النزاعات تبدأ من خطاب متشنج أو لغة تحريضية أو كلمات تزرع الكراهية وتعمق الانقسام، بينما تستطيع الكلمة الطيبة والحوار بالحكمة أن يصنعا بيئة أكثر قابلية للتفاهم والتعايش.

ومن الأفكار اللافتة أيضًا في هذا التصور أن السلام لا يعني التنازل عن الحقوق أو قبول الظلم، بل يعني بناء العلاقات الإنسانية على أساس الاحترام والرحمة ومنع الاعتداء وصيانة الكرامة الإنسانية، كما تتوسع الرؤية لتشمل العلاقة بين الشعوب، حيث يعاد تقديم الاختلاف الإنساني باعتباره مساحة للتعارف والتكامل لا سببًا للصراع، فتنوع الثقافات واللغات والهويات – وفق هذا الفهم – ليس مدخلًا للهيمنة أو الإقصاء، بل فرصة للتعاون وتبادل الخبرات.

وفي البناء الاجتماعي، يولي الطرح أهمية خاصة للأسرة باعتبارها نقطة البداية في تشكيل الإنسان، فالأسرة المستقرة القائمة على المودة والعدل تنتج أفرادًا أكثر قدرة على التوازن والمشاركة الإيجابية، بينما يؤدي التفكك والعنف إلى إنتاج أزمات تتجاوز حدود البيت إلى المجتمع كله.

كذلك يربط الشرفاء الحمادي بين الأمن والتنمية، مؤكدًا أن المجتمعات التي تتراجع فيها فرص العمل وتنتشر فيها صور الفساد تصبح أكثر عرضة للقلق والتوتر وفقدان الاستقرار، وهو ما يجعل العمل والإنتاج والتكافل جزءًا من مفهوم السلام وليس قضية اقتصادية منفصلة.

ومن أكثر الجوانب حضورًا في هذا التصور تأكيده أن الإيمان لا يمكن أن يقوم على الإكراه، وأن حرية الاختيار واحترام كرامة الإنسان يمثلان أساسًا ضروريًا لأي سلام حقيقي، لأن القناعة – لا الفرض – هي التي تصنع الاستقرار المستدام.

وفي المجمل، يقدم الشرفاء الحمادي من خلال مضامين مؤسسة رسالة السلام العالمية تصورًا يعتبر أن الأمن والسلام ليسا هدفين منفصلين عن الأخلاق والقيم، وإنما نتيجة مباشرة لبناء الإنسان على أسس العدل والرحمة والإحسان واحترام الآخر، وربما هنا تكمن الفكرة الأبرز في هذا الطرح: أن الطريق إلى مجتمع أكثر استقرارًا لا يبدأ من تغيير العالم دفعة واحدة، بل يبدأ من إعادة بناء الإنسان نفسه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى