تاريخ ومزارات

رحلة الجحيم من موسكو كيف انكسر نابليون بونابرت على حدود روسيا

في صيف عام 1812 وقف نابليون بونابرت على حدود روسيا يتأمل الامتداد اللامتناهي للأرض بثقة رجل اعتاد أن تنحني له العواصم خلفه تحرك جيش لم يعرف التاريخ مثيلا له من قبل أكثر من نصف مليون جندي من الفرنسيين والبولنديين والألمان والإيطاليين والنمساويين جيش بدا وكأنه قارة كاملة تسير على الأقدام.

قصة نابليون بونابرت على حدود روسيا

في البدايات بدا كل شيء مثاليا الشمس دافئة والطرق جافة والتقدم سريع خلال أيام قليلة دخل الجيش فيلنيوس دون مقاومة تذكر، لم يواجه نابليون معارك حاسمة ولم يسمع دوي المدافع الروس انسحبوا بهدوء لكنهم تركوا خلفهم أرضا محروقة بلا طعام ولا مأوى ولا أمل.

شيئا فشيئا بدأت الأرض الروسية تكشف عن وجهها الحقيقي أمطار خفيفة حولت الطرق إلى طين خانق غرقت فيه العربات وسقطت الخيول الواحدة تلو الأخرى ندرت المياه واشتد العطش حتى صار أقسى من الرصاص، خلال الأسابيع الأولى وحدها نفقت عشرات الآلاف من الخيول أدرك الجنود أن الجيش الذي يفقد خيوله يفقد روحه وحركته وقدرته على النجاة.

ثم جاءت الضربة التي لا صوت لها التيفوس المرض انتشر بسرعة مرعبة بين الجنود المنهكين الذين ينامون متلاصقين في الحقول الموحلة، خلال شهر واحد فقط سقط ما يقرب من ثمانين ألف رجل، لم تسقطهم السيوف ولا البنادق بل الحمى والجوع والقيء والإعياء.

رغم كل ذلك واصل نابليون التقدم، كان يردد بثقة أن الوصول إلى موسكو سيحسم كل شيء، وفي الرابع عشر من سبتمبر دخل موسكو، لكنه لم يجد مدينة تستسلم بل مدينة خالية شوارع صامتة بيوت مغلقة فراغ ثقيل يبعث القلق في النفوس. وفي اليوم التالي اندلعت النيران.

حرائق هائلة متعمدة ومنظمة. الروس أحرقوا مدينتهم بأيديهم القصور والأسواق والمخازن والكنائس تحولت إلى جحيم من اللهب ارتفع الدخان حتى غطى السماء وتساقط الرماد كثلج أسود، جلس نابليون في الكرملين ينتظر رسالة من القيصر ينتظر عرض سلام ينتظر أي إشارة لم يأت شيء.

بدأ الشتاء يزحف ببطء قاتل الليالي صارت قاسية والطعام شح والخيول ذبحت ليقتات الجنود على لحمها كل يوم حمل معه مزيدا من الموتى جوع وبرد ومرض بلا رحمة.

في منتصف أكتوبر اتخذ نابليون قراره الأصعب الانسحاب، لكنه لم يكن انسحابا منظما بل بداية كابوس طويل الجيش الروسي الذي تراجع طويلا تحول إلى مطارد شرس القوزاق هاجموا المؤخرات كالذئاب قطعوا الطرق سرقوا العربات وقتلوا الجرحى بلا تردد.

تساقط الثلج وتحول البرد إلى سلاح فتاك أقوى من المدافع الجنود تجمدوا في أماكنهم، الأحذية تمزقت والأقدام اسودت وتعفنت من نجا من الجوع مات من الصقيع ومن نجا من الصقيع سقط برماح القوزاق.

بلغت المأساة ذروتها عند نهر بيريزينا، في أواخر نوفمبر وصل ما تبقى من الجيش إلى ضفاف النهر شبه المتجمد الروس سبقوهم وأغلقوا الطريق، لم يبق خيار سوى العبور أو الهلاك، في ستوديينكا أمر نابليون ببناء جسور مؤقتة تحت نيران المدفعية، عبر جزء كبير من الجيش بصعوبة لكن الوقت خانهم، أحرقت الجسور تاركة خلفها عشرات الآلاف من الجرحى والمرضى والمتأخرين يصرخون ويتوسلون بينما تقدم الروس نحوهم، كان المشهد مروعا حتى إن بعض الضباط لم يتمالكوا دموعهم.

في الثامن من ديسمبر ترك نابليون بقايا جيشه وغادر مسرعا إلى باريس في عربة مغلقة، خلفه بقيت أشلاء أعظم جيش في أوروبا، وعندما عبر آخر الجنود الحدود الروسية لم يتبق من الجيش الكبير سوى بضعة وعشرين ألف رجل من أكثر من نصف مليون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى