قبائل و عائلات

بني عون.. سادة البحيرة وأمراء العربان الذين صنعوا نفوذهم بين السيف والسياسة

تعد قبيلة بني عون، التي تعرف أيضا باسم بني عونه أو العناوية، واحدة من القبائل الرئيسية المكونة لتحالف أولاد سلام إلى جانب الهنادي والبهجة، وتنتمي هذه القبائل إلى بني سليم الحجازية القيسية العدنانية، ويرجع نسب بني عون إلى جدهم عون بن سلام من بني لبيد بن مالك بن أهيب بن عبدالله بن قنفذ بن مالك بن عوف بن امرئ القيس بن بهثة بن سليم.

أصول بني عون

وينسب بعض الباحثين القبيلة إلى الذئب أحمد بن حمزة من أولاد أبي الليل من علاق السعادي، إلا أن العديد من النسابين يرجحون انتساب بني عون إلى بني لبيد، ويرون أن ارتباطهم بالسعادي جاء عن طريق الحلف والمجاورة لا عن طريق النسب المباشر، ويستند هذا الرأي إلى ورود ذكر بني عونه في كتاب المقصد الرفيع للخالدي خلال النصف الأول من القرن التاسع الهجري، كما ذكر الكتاب رحاب البدوي العوني بصفته أميرا لإقليم البحيرة سنة 783هـ، وهو تاريخ يسبق زمن ذؤيب من أولاد أبي الليل أو ذئب برقة بن جعفر، ومع ذلك فإن الخلاف في هذا الجانب لا يغير كثيرا من الأصول القبلية، لأن لبيد وعلاق يجتمعان في جد واحد من بني قنفذ بن مالك بن عوف بن امرئ القيس بن بهثة بن سليم.

ونشأت ذرية عون بن سلام وإخوته في بيئة قبلية غلب عليها الطابع القيسي، حيث عاشت بطون بني سليم وبني عامر إلى جانب القبائل البربرية المنتشرة في المناطق الممتدة من البحيرة حتى برقة، وخلال أقل من قرنين توسعت ذريتهم بشكل ملحوظ، وتحولت إلى عشيرة كبيرة ذات عدد وقوة، وبرز من أبنائها فرسان اشتهروا بالشجاعة والبأس، حتى انتقلت إليهم مشيخة لبيد، ثم تولوا مشيخة وإمارة إقليم البحيرة بأكمله بعد نهاية إمارة أولاد مقدم وفشل ثورة بدر بن سلام.

واستمر نفوذ بني عون حتى قتل السلطان برقوق أميرهم رحاب البدوي العوني غدرا سنة 783هـ، الأمر الذي دفع القبيلة إلى التفرق والنزوح نحو الصحراء الغربية وبرقة، وبعد سنوات عادوا إلى إقليم البحيرة سنة 818هـ عندما استدعى السلطان المملوكي المؤيد شيخ المحمودي قبائل لبيد بقيادة موسى بن رحاب العوني، من أجل القضاء على تمرد القبائل البربرية من بطون زنارة ولواته ومزاته، بعدما توسع نفوذهم وعطلوا طرق المواصلات ومنعوا وصول الخراج إلى الدولة.

وذكر الخالدي في المقصد الرفيع بني عونه في منطقة تروجة التابعة لإقليم البحيرة خلال منتصف القرن التاسع الهجري، وقسمهم إلى فرقتين كبيرتين الأولى أولاد الشيخ ويتزعمها عشبة بن رحاب البدوي العوني، والثانية العقلة ويتزعمها إبراهيم بن سعدان العوني، وبعد ذلك ظهرت القبيلة في المصادر اللاحقة بوصفها كيانا واحدا تحت قيادة جويلي بن سليمان العوني، الذي حمل لقب أمير عرب البحيرة وزعيم قبائل الوجه البحري.

وأشار المؤرخ الجزيري في كتاب الدرر الفرائد إلى أن بني عون من أقدم قبائل بني سليم التي استقرت في مصر، كما ذكر الحبوني في كتاب أنساب قبائل العرب أن إمرة العربان في الديار المصرية استقرت في بني عونه منذ مطلع القرن العاشر الهجري، وتولى أمراؤهم قيادة قوافل الحج المصرية في تسع مناسبات، حيث قاد عيسى بك بن إسماعيل بن عامر رحلات الحج في الأعوام 963هـ و967هـ و971هـ و972هـ، ثم تولى عمر بك بن عيسى بن إسماعيل المهمة نفسها في الأعوام 990هـ و999هـ و1000هـ و1002هـ و1003هـ، كما أوردت ذلك مصادر تاريخية عدة من بينها حسن الصفا والابتهاج، واستمرت شهرة القبيلة حتى أدرجتها الوثائق الرسمية ضمن عربان مصر سنة 1883م.

ويرجح عدد من الباحثين أن بني عون ينتمون إلى بطون عوف التي ذكرها المؤرخون في إقليم البحيرة خلال القرن الثالث عشر الميلادي، وظلت القبيلة تتنقل بين البحيرة وبرقة طلبا للمراعي وممارسة لحياة البداوة، حتى تولى رحاب العوني إمارة الإقليم، وبعد مقتله غادر أبناؤه البحيرة، ثم عادوا إليها سنة 818هـ مع فرسان لبيد، وبعد ذلك دخلوا في صراعات متكررة مع المماليك، خصوصا بعد مقتل شيخهم موسى بن رحاب العوني، فاضطروا إلى الاتجاه نحو الصحراء الغربية والسواحل الشمالية، وهناك اختلطوا بقبيلة الجميعات التي تعد من أقدم قبائل مصر والصحراء الغربية.

وعاد بنو عون مرة أخرى إلى البحيرة، لكنهم واجهوا حملة عسكرية قادها الأتابك أوزبك سنة 880هـ، فتفرقوا من جديد، وبعد سنوات استطاع شيخهم محمد جويلي بن سليمان العوني أن يجمع شتات القبيلة ويوحد صفوفها، ثم قادها إلى تحقيق انتصار كبير على جيش المماليك سنة 891هـ، وبعد تلك المرحلة اتجهت القبيلة تدريجيا إلى حياة الاستقرار، فتركت البداوة واتجه أبناؤها إلى الزراعة والتجارة، واستقروا في القرى والمدن، خاصة في إقليم البحيرة، حيث استثمروا الأراضي الزراعية الخصبة وأدوا خراجها للسلطة المملوكية.

وذكر الجزيري في الدرر الفرائد رواية نقلها عن أحد الرواة تفيد بأن قبيلتي لواته ومزاته قدمتا من ليبيا ونزلتا على بني عون في البحيرة، ثم ساءت العلاقة بين الطرفين واندلعت حروب طويلة انتهت بخروج القبيلتين من الإقليم، وتضيف الرواية أن رجال بني عون كانوا يرددون في المعارك صيحة عونه يا رجال، ومنها جاء اسم بني عونه، إلا أن هذه الرواية تتعارض مع عدد من الحقائق التاريخية، لأن المصادر تؤكد وجود بني عونه في البحيرة قبل تلك الأحداث بزمن طويل، كما أن القلقشندي وغيره من المؤرخين المعاصرين لتلك الوقائع قدموا روايات أكثر دقة وتفصيلا، ووردت أخبارهم كذلك في مؤلفات أقدم مثل بدائع الزهور لابن إياس ونيل الأمل لابن شاهين الظاهري.

كما تؤكد الوقائع التاريخية أن القبائل البربرية مثل لواته ومزاته وبطون هوارة استقرت في المنطقة قبل وصول بني عون بفترة طويلة، ومن ناحية أخرى فإن العرب اعتادوا إطلاق اسم عونه على ذرية رجل اسمه عون، تماما كما يقال ذوي عون في مطير وبنو عون في حرب وبنو عون في غطفان، ولذلك يعد اشتقاق اسم القبيلة من جدها عون أمرا طبيعيا ومتوافقا مع القواعد اللغوية والقبلية المعروفة عند العرب.

ويذكر المؤرخ محمد سليمان الطيب أن أغلب بطون وعائلات بني عونه تنتشر حاليا في محافظات البحيرة والغربية والشرقية وصعيد مصر، كما توجد لهم عزبة العوني في مركز إطسا بمحافظة الفيوم، وتوجد لهم جماعات في البداري بمحافظة أسيوط، حيث تحمل إحدى القرى هناك اسم العونة، كذلك ينتشر أبناء القبيلة في محافظات سوهاج والأقصر وقنا وكفر الشيخ والجيزة والإسكندرية والمنوفية ومطروح والواحات ومدن القنال وغيرها من مناطق الجمهورية.

ولم يقتصر وجود بني عون على مصر فقط، بل امتدت فروع القبيلة إلى عدد من البلدان العربية، حيث توجد تجمعات لهم في سوريا وفلسطين وليبيا والسودان، وهو ما يعكس الامتداد التاريخي الواسع لهذه القبيلة ودورها البارز في تاريخ عرب مصر وبرقة عبر القرون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى