في ذكرى رحيل فرج فودة.. كيف انتهت رحلة أحد أبرز رموز التنوير في مصر؟
أسماء صبحي – يحل الثامن من يونيو من كل عام حاملاً ذكرى واحدة من أكثر الحوادث تأثيرًا في تاريخ الحياة الفكرية المصرية الحديثة. وهي اغتيال الكاتب والمفكر فرج فودة عام 1992 على يد عناصر تنتمي إلى تيارات متطرفة. ولم تكن الجريمة حدثًا مفاجئًا أو منفصلًا عن سياقها بل جاءت بعد شهور من الجدل الفكري المحتدم الذي شهدته الساحة الثقافية المصرية مطلع التسعينيات.
وكانت إحدى أبرز المحطات التي وضعت فودة في قلب هذا الجدل مشاركته في الندوة الشهيرة التي أقيمت ضمن فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب يوم 7 يناير 1992 تحت عنوان “مصر بين الدولة الدينية والدولة المدنية”. وشهدت الندوة حضورًا جماهيريًا استثنائيًا قدر بعشرات الآلاف حيث دافع فودة ومعه عدد من المفكرين عن مفهوم الدولة المدنية. بينما تبنى الطرف الآخر وجهة نظر مختلفة حول طبيعة الدولة ودورها.
مناظرة الإسكندرية
لم تتوقف المناقشات الفكرية عند معرض الكتاب بل امتدت إلى منابر أخرى كان أبرزها المناظرة التي استضافتها نقابة المهندسين بالإسكندرية في 27 يناير من العام نفسه. وجذبت الفعالية آلاف الحاضرين الذين تابعوا نقاشًا واسعًا حول مستقبل الدولة المصرية وطبيعة العلاقة بين الدين والسياسة.
وشارك في تلك المناظرة عدد من أبرز الأسماء الفكرية والأكاديمية في مصر حيث عرض كل طرف رؤيته بشأن قضايا الهوية والدولة المدنية. بينما برز فودة كأحد أكثر المتحدثين إثارة للنقاش بسبب مواقفه الصريحة وآرائه التي أثارت جدلًا واسعًا في الأوساط الفكرية والسياسية آنذاك.
فتاوى التكفير ومقدمات النهاية
أثارت المواقف التي طرحها فودة خلال تلك المناظرات ردود فعل حادة من بعض التيارات المتشددة وتصاعدت الحملات التي استهدفته على المستويين الفكري والإعلامي. ومع مرور الوقت تحولت الخلافات الفكرية إلى تحريض مباشر، حيث صدرت بحقه فتاوى اعتبرها كثيرون تمهيدًا لموجة من الاستهداف انتهت بعملية اغتياله.
ومع اقتراب عيد الأضحى عام 1992، كانت الأجواء مشحونة بالتوتر. بينما لم يكن أحد يتوقع أن تتحول الخلافات الفكرية إلى جريمة سوف تظل حاضرة في الذاكرة المصرية لعقود طويلة.
اللحظات الأخيرة في حياة فرج فودة
في مساء الثامن من يونيو 1992 أنهى فرج فودة يوم عمله المعتاد داخل مكتبه الكائن بشارع أسماء فهمي في منطقة مصر الجديدة بالقاهرة. وبعد أن أغلق المكتب توجه نحو سيارته بصحبة ابنه أحمد وأحد أصدقائه المقربين.
وخلال سيره في الممر المؤدي إلى السيارة باغته مسلحان بإطلاق النار عليه من مسافة قريبة. وسقط المفكر المصري مصابًا بطلقات خطيرة بينما أصيب آخرون كانوا برفقته. وسارع عدد من الموجودين في المكان إلى ملاحقة الجناة وتمكنوا من القبض على أحد المتورطين في الحادث بعد لحظات من وقوعه.
ست ساعات من المقاومة داخل المستشفى
نقل فرج فودة على الفور إلى المستشفى في محاولة لإنقاذ حياته حيث خضع لسلسلة من الإجراءات الطبية المكثفة استمرت عدة ساعات. وخلال تلك الفترة توافد عدد من أصدقائه ومحبيه للاطمئنان على حالته. وكان من بينهم الفنان عادل إمام الذي جمعته علاقة صداقة قوية بالمفكر الراحل.
ورغم الجهود الطبية الكبيرة لم تنجح محاولات إنقاذه ليفارق الحياة بعد نحو ست ساعات من إصابته في حادث أثار صدمة واسعة داخل الأوساط الثقافية والسياسية والإعلامية.
من دمياط إلى صدارة المشهد الفكري
ولد فودة في قرية الزرقا بمحافظة دمياط في 20 أغسطس 1945. ونشأ في بيئة مصرية بسيطة قبل أن يلتحق بكلية الزراعة بجامعة عين شمس حيث تخصص في الاقتصاد الزراعي وتخرج عام 1967.
وشهد العام نفسه حدثًا مؤلمًا في حياته بعد استشهاد شقيقه الأصغر الملازم محيي الدين فودة خلال حرب يونيو 1967. وبعد ذلك بوقت قصير شارك في المظاهرات الطلابية التي اندلعت عام 1968 احتجاجًا على الأوضاع السياسية آنذاك وتعرض للاعتقال لفترة قصيرة.
وعلى مدار السنوات التالية تحول فرج فودة إلى أحد أبرز الأصوات الفكرية في مصر. تاركًا خلفه عددًا من المؤلفات والمقالات التي أثارت نقاشات واسعة حول قضايا التنوير والدولة المدنية. قبل أن تنتهي مسيرته برصاصات الاغتيال التي جعلت اسمه حاضرًا في الذاكرة الثقافية المصرية حتى اليوم.



