علاء عبدالله يكتب: الأمن القومي العربي.. هل حان وقت الانتقال من الشعارات إلى قرارات البقاء؟
في لحظة إقليمية شديدة التعقيد تتصاعد فيها التوترات الدولية وتتسارع التحولات الجيوسياسية بصورة غير مسبوقة، يعود سؤال الأمن القومي العربي ليفرض نفسه بقوة على المشهد، ليس باعتباره قضية سياسية عابرة أو ملفًا مؤجلًا يمكن التعامل معه لاحقًا، وإنما باعتباره قضية مصير ترتبط بمستقبل الأمة العربية وقدرتها على حماية مقدراتها وثرواتها ومكانتها في عالم لا يعترف إلا بالتكتلات الكبرى والقوى القادرة على حماية مصالحها.
الفكرة التي يطرحها الفيديو الصادر عن مؤسسة رسالة السلام العالمية تنطلق من رؤية تعتبر أن مفهوم الوحدة العربية يجب أن يغادر دائرة الشعارات العاطفية والخطابات التقليدية إلى فضاء أكثر واقعية وفاعلية، عبر تحويله إلى مشروع جيوسياسي واضح المعالم قائم على المصالح المشتركة والأمن الجماعي والتكامل الاقتصادي والدفاعي.
القراءة التي يقدمها الفيديو تستند إلى ستة محاور رئيسية، تبدأ بتشخيص التهديدات التي تواجه الأمن القومي العربي، وتنتهي بنداء عاجل للقيادات العربية بضرورة التحرك قبل فوات الأوان.
في المحور الأول يركز الطرح على التهديد المباشر للأمن القومي الجماعي، فالتحديات التي تواجه المنطقة لم تعد تقتصر على المواجهات العسكرية التقليدية بل أصبحت تمتد إلى الاقتصاد والاستقرار الداخلي ومستقبل التنمية، وهنا تبرز حقيقة مهمة وهي أن أي تصعيد عسكري أو سياسي في المنطقة لا تدفع ثمنه دولة واحدة فقط، بل تنعكس آثاره على مختلف الدول العربية بدرجات متفاوتة.
ومن هذا المنطلق، يؤكد الفيديو أن البعد الجغرافي لم يعد يوفر الحماية الكاملة كما كان في السابق لأن التأثيرات الاقتصادية والسياسية أصبحت عابرة للحدود، وبالتالي فإن الأمن القومي العربي يجب أن ينظر إليه باعتباره منظومة متكاملة لا تقبل التجزئة، يكون فيها التضامن الاقتصادي والدفاع العسكري وجهين لعملة واحدة يشكلان معًا درعًا جماعيًا لحماية السيادة والثروات والمصالح المشتركة.
أما المحور الثاني، فيتوقف عند واحدة من أكثر القضايا إلحاحًا وهي غياب الرؤية العربية الموحدة وضعف التضامن الاقتصادي، فبحسب الطرح الوارد في الفيديو فإن استمرار العمل بسياسات متفرقة ورؤى غير متناسقة يجعل فكرة التضامن العربي مجرد شعار لا ينعكس على أرض الواقع.
والأخطر من ذلك أن هذا التفكك يترك الموارد العربية وفي مقدمتها مصادر الطاقة عرضة للتأثيرات والضغوط الخارجية، وعندما تغيب الرؤية المشتركة تصبح الثروات العربية أكثر عرضة للتقلبات الدولية وللإملاءات الاقتصادية التي قد تؤثر بصورة مباشرة على استقرار الدول العربية وأمنها الداخلي.
ومن هنا ينتقل الفيديو إلى المحور الثالث الذي يستند إلى رؤية المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي مؤسس مؤسسة رسالة السلام العالمية، والتي تدعو إلى تطوير ميثاق جامعة الدول العربية وتحويله من إطار تنسيقي إلى منظومة أكثر فاعلية وقدرة على مواجهة التحديات.
وتقوم هذه الرؤية على ثلاثة مرتكزات أساسية؛ أولها الاحترام الكامل لسيادة كل دولة عربية وخصوصيتها الثقافية والوطنية، وثانيها تطبيق ميثاق شرف إعلامي عربي يحد من الصراعات الإعلامية البينية، وثالثها بناء عقيدة أمنية جماعية واضحة تعتبر أن أي تهديد تتعرض له دولة عربية هو تهديد مباشر لبقية الدول العربية دون استثناء.
ويأتي المحور الرابع ليطرح آليات عملية لتنفيذ هذه الرؤية، فعلى المستوى العسكري يدعو الطرح إلى تكليف وزراء الدفاع ورؤساء الأركان العرب بوضع استراتيجية متكاملة لحلف دفاعي عربي مشترك يتم عرضها على القمم العربية مع توفير الالتزامات المالية اللازمة لضمان تنفيذها.
ويعتبر أصحاب هذه الرؤية أن وجود قوة دفاعية عربية مشتركة من شأنه أن يخلق حالة ردع حقيقية تحمي الدول العربية من أي تهديدات محتملة، لكنهم في الوقت نفسه يؤكدون أن الأمن لا يقتصر على الجانب العسكري فقط بل يمتد إلى المجال الفكري والإعلامي.
ومن هنا تبرز فكرة ميثاق الشرف الإعلامي الذي يهدف إلى منع وسائل الإعلام العربية من الانخراط في حملات التشهير أو الإساءة إلى الدول العربية الأخرى، حفاظًا على تماسك الجبهة الداخلية العربية ومنع استغلال الخلافات الإعلامية في تعميق الانقسامات داخل المنطقة.
وفي المحور الخامس، تتسع دائرة الرؤية لتشمل العلاقات الدولية والشراكات الخارجية، فالعالم العربي بحسب الطرح المقدم، يحتاج إلى إعادة صياغة علاقاته الدولية على أساس المصالح المتبادلة والاحترام المتبادل، وتتضمن هذه الرؤية إعادة ضبط العلاقات مع الولايات المتحدة بما يحقق التوازن المطلوب، بالتوازي مع تعزيز الشراكات الاقتصادية والاستراتيجية مع أوروبا بما يجعلها شريكًا رئيسيًا للعالم العربي خلال العقود المقبلة.
كما يطرح الفيديو فكرة الاستفادة من الإمكانيات العلمية والتكنولوجية الروسية وربطها بالإمكانات المالية والاستثمارية العربية، باعتبار أن تنويع الشراكات الدولية يقلل من مخاطر الاعتماد على طرف دولي واحد ويمنح الدول العربية مساحة أوسع للمناورة وحماية مصالحها الاستراتيجية.
أما المحور السادس والأخير، فهو بمثابة نداء تحذيري موجه إلى القيادات العربي، فالرسالة الأساسية هنا أن التحديات التي تواجه المنطقة تستفيد بشكل مباشر من حالة التشتت والانقسام العربي، بينما تتجه القوى الدولية والإقليمية نحو مزيد من التكامل والتنسيق لحماية مصالحها.
وفي هذا السياق، يشير الطرح إلى أن العالم العربي يمتلك ثروات وإمكانات هائلة، لكنها لا تزال دون الاستغلال الأمثل بسبب غياب الرؤية الجماعية القادرة على توظيف هذه الموارد ضمن مشروع عربي متكامل، ومن هنا تأتي دعوة المفكر علي محمد الشرفاء الحمادي إلى الإسراع باتخاذ قرارات مصيرية طال انتظارها لعقود طويلة، وعدم السماح باستمرار حالة الجمود التي عطلت الكثير من المشروعات والأفكار القادرة على تعزيز الأمن القومي العربي.
في النهاية، يطرح الفيديو سؤالًا بالغ الأهمية: هل تستطيع الأمة العربية أن تنتقل من مرحلة الخطابات والشعارات إلى مرحلة العمل المشترك والقرارات العملية؟ وهل نشهد خلال السنوات المقبلة بناء منظومة عربية قادرة على حماية الأمن الجماعي وتحويل الإمكانات الهائلة التي تمتلكها المنطقة إلى قوة حقيقية مؤثرة؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد فقط شكل المستقبل العربي، بل قد تحدد أيضًا قدرة الأمة على مواجهة التحديات القادمة والحفاظ على مكانتها في عالم يتغير بسرعة لا تنتظر المترددين.

