كتابنا

علاء عبدالله يكتب: بين “رجم ثريا” وقوانين الأسرة.. هل آن أوان العودة إلى عدالة القرآن؟

في بعض الأحيان لا تكشف الخطب ولا الندوات ولا حتى النصوص القانونية حجم المأساة الإنسانية كما يفعل عمل فني صادم يهز الوجدان ويضع المجتمع أمام مرآته الحقيقية، وهذا تحديدًا ما فعله فيلم “رجم ثريا” الذي أعاد طرح سؤال بالغ الخطورة: كيف يمكن أن يتحول الدين، حين يختطف بالتأويل المغلق والموروث البشري، إلى أداة قهر بدلًا من أن يكون رسالة رحمة وعدالة؟

الندوة التي تحدث خلالها الباحث والكاتب هشام النجار لم تكن مجرد نقاش عابر حول قانون الأحوال الشخصية، بل كانت محاولة لإعادة فتح ملف شديد الحساسية يتعلق ببنية الأسرة العربية، وعلاقة الرجل بالمرأة، وحدود ما هو إلهي ثابت وما هو بشري قابل للنقد والمراجعة.

ولم يكن فيلم “رجم ثريا” قصة امرأة أُعدمت ظلمًا بتهمة ملفقة فقط، بل كان تصويرًا مرعبًا لمجتمع كامل يفقد بوصلته الأخلاقية تحت ضغط الخوف والطاعة العمياء والتقديس غير المشروط للموروث، والجميع تقريبًا داخل الفيلم كان يعرف أن “ثريا” بريئة، ومع ذلك شاركوا — بالصمت أو بالفعل — في الجريمة.

وهنا تحديدًا تكمن خطورة أي مجتمع يخلط بين النص الإلهي المقدس وبين اجتهادات بشرية تراكمت عبر قرون وأُحيطت بهالة من القداسة المصطنعة، لأن المشكلة لا تبدأ عندما يظلم فرد امرأة بل تبدأ حين يتحول الظلم نفسه إلى نظام اجتماعي يجد من يبرره دينيًا وقانونيًا وأخلاقيًا.

الرجم ليس دائمًا حجارة تلقى على الجسد كما قال هشام النجار، بل قد يكون رجمًا نفسيًا ومعنويًا واقتصاديًا، يبدأ من سلب الحقوق وينتهي بتحطيم الكرامة الإنسانية داخل البيت والأسرة.

والمعضلة الكبرى التي يثيرها مشروع المفكر علي محمد الشرفاء الحمادي تتمثل في أن الأزمة ليست في النص القرآني نفسه، بل في القراءات البشرية التي تراكمت حوله عبر عصور طويلة متأثرة بالسياسة والعادات القبلية والهيمنة الذكورية.

فالقرآن حين نتأمله بعيدًا عن الضجيج الفقهي يقدم تصورًا مختلفًا تمامًا للعلاقة بين الرجل والمرأة، قائمًا على الرحمة والمودة والتكامل الإنساني لا على الصراع أو التسلط، وشدد النص القرآني على العدالة، حماية السمعة، تجريم القذف، صيانة الكرامة الإنسانية، ووضع ضوابط شديدة الصرامة قبل اتهام أي امرأة في شرفها.

لكن ما حدث تاريخيًا أن كثيرًا من الاجتهادات البشرية تحولت مع الوقت إلى مسلمات مغلقة لا يجوز الاقتراب منها، حتى اختلط “الدين” بـ”التراث”، وأصبح نقد بعض الاجتهادات وكأنه اعتداء على المقدس ذاته، وهنا تبدأ الكارثة الحقيقية.

الحديث عن إصلاح قانون الأحوال الشخصية لا يتعلق فقط بتعديل مواد قانونية أو حل نزاعات أسرية، بل يرتبط بشكل المجتمع الذي نريده في المستقبل، فالطفل الذي ينشأ داخل بيت قائم على القهر والإذلال والخوف لا يمكن أن يصبح إنسانًا متوازنًا قادرًا على بناء مجتمع صحي ومستقر.

ولهذا تبدو رؤية علي محمد الشرفاء الحمادي لافتة للنظر حين يربط بين أزمة الأسرة وبين العنف والتطرف والانهيار المجتمعي، فالمجتمع الذي يُقصي المرأة ويهينها ويفرض عليها قوانين غير عادلة يدفع الثمن لاحقًا في صورة تفكك أسري وعنف نفسي واجتماعي وفقدان للرحمة داخل العلاقات الإنسانية.

الحضارة لا تبدأ من المؤسسات الكبرى فقط بل تبدأ من البيت، من طريقة تعامل الرجل مع زوجته، من شعور المرأة بالأمان والكرامة، ومن البيئة النفسية التي ينشأ فيها الأطفال.

واحدة من أكثر النقاط عمقًا في مشروع الإصلاح المطروح هي الدعوة إلى مشاركة النساء بصورة حقيقية في صياغة قوانين الأسرة، بدلًا من استمرار احتكار الرجال وحدهم لعملية التشريع والاجتهاد المتعلقة بقضايا تمس المرأة بشكل مباشر.

فكيف يمكن فهم التعقيدات النفسية والاجتماعية للعلاقة الأسرية من زاوية واحدة فقط؟ وكيف يمكن صياغة قوانين عادلة دون الاستماع للطرف الأكثر تأثرًا بنتائجها؟، فإن تغييب المرأة عن دوائر التشريع لعقود طويلة كان سببًا رئيسيًا في اختلال ميزان العدالة داخل كثير من المجتمعات العربية، ولذلك فإن إعادة التوازن لا تبدو ترفًا فكريًا بل ضرورة حضارية.

ويخلط البعض بين الدعوة للعودة إلى القرآن وبين الدعوة للتشدد والانغلاق، بينما الحقيقة أن جوهر الفكرة المطروحة يقوم على العكس تمامًا، فالقرآن — وفق هذا الطرح — ليس أداة قمع بل وسيلة لتحرير الإنسان من الاستبداد والخوف والعصبية والتسلط الاجتماعي، والمشكلة لم تكن يومًا في الدين، بل في استخدام الدين لتبرير الهيمنة وصناعة سلطة اجتماعية مغلقة لا تسمح بالمراجعة أو النقد.

ولهذا فإن معركة إصلاح قوانين الأسرة ليست معركة نسوية ضد الرجل ولا صراعًا أيديولوجيًا كما يحاول البعض تصويرها، بل معركة تتعلق بمستقبل المجتمع كله، وبالسؤال الأهم: هل نريد أسرة قائمة على الرحمة والعدل، أم أسرة تحكمها السلطة والخوف والموروث غير القابل للنقاش؟

في النهاية، يبدو أن الرسالة الأهم التي يطرحها هذا النقاش هي أن الرحمة ليست قيمة هامشية في بناء المجتمعات بل هي أساس الاستقرار الإنساني كله، وعندما تغيب الرحمة داخل البيت يصعب أن نجدها لاحقًا في الشارع أو الدولة أو العالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى