تاريخ ومزارات

الشيخ أحمد عبدربه العواضي.. اسد سبتمبر الذي حمى الجمهورية بدمه

حين نقرأ سيرة الشيخ الشهيد أحمد عبدربه العواضي، فإننا نعود إلى واحدة من اعظم المحطات في تاريخ اليمن الحديث، وهي ثورة السادس والعشرين من سبتمبر المجيدة، الثورة التي كسرت حكم الكهنوت الإمامي، وانتزعت لليمنيين حقهم في الحرية والكرامة بعد سنوات طويلة من الظلم والعزلة والقهر، وسط تلك الاحداث العاصفة، برز اسم العواضي كواحد من ابرز الرجال الذين حملوا ارواحهم على اكفهم دفاعا عن الجمهورية، دون ان ينتظر منصبا او مكسبا او امتيازا، بخلاف كثير من الشخصيات التي حاولت استغلال الثورة لتحقيق مصالح خاصة.

من هو الشيخ أحمد عبدربه العواضي.

لم يكن الشيخ العواضي مجرد شيخ قبلي يقود رجاله في المعارك، بل كان رمزا حقيقيا لقيم سبتمبر ومبادئها، رجلا جمع بين الشجاعة والوفاء والاخلاص، وعاش حياته منحازا للوطن والجمهورية، حمل السلاح بنفسه، ووقف في الصفوف الاولى داخل ساحات القتال، ولم يتردد يوما في مواجهة الخطر مهما كانت التضحيات.

نشأة العواضي وجذور النضال

ولد الشيخ احمد عبدربه العواضي عام 1925 في محافظة البيضاء، داخل اسرة عرفت بتاريخ طويل من النضال والبطولة، ارتبط اسم آل عواض بالشجاعة والمواقف الوطنية، وسجلت جبال اليمن وسهولها بطولاتهم في مواجهة الاحتلال البريطاني في الجنوب، خصوصا نضالات والده الشيخ عبدربه العواضي الذي وقف بقوة ضد مشاريع الاستعمار.

كبر احمد العواضي وسط بيئة قبلية تعرف معنى الكرامة والقتال من اجل الارض والوطن، فحمل منذ سنواته الاولى صفات القيادة والجرأة، واكتسب مكانة كبيرة بين ابناء قبيلته، حتى صار واحدا من ابرز الشخصيات الوطنية التي عرفت بالحضور القوي والموقف الثابت.

العواضي وثورة السادس والعشرين من سبتمبر

عندما اندلعت ثورة السادس والعشرين من سبتمبر عام 1962، كان الشيخ العواضي من اوائل الرجال الذين لبوا نداء الجمهورية، وما ان دوى صوت الثورة حتى جمع رجال قبيلته آل عواض، وتحرك بهم نحو جبهات القتال للدفاع عن النظام الجمهوري الوليد، في وقت كانت فيه البلاد تعيش اخطر مراحلها.

واجه الثوار وضعا معقدا وصعبا، بعدما فر ائمة الحكم الإمامي نحو اطراف البلاد، وتحالفوا مع مرتزقة من الداخل والخارج، كما حصلوا على دعم وتسليح من الاحتلال البريطاني في الجنوب، وتحولت مناطق واسعة الى ساحات حرب مفتوحة بين الجمهوريين والقوات الإمامية.

ومن بين اهم تلك المناطق مدينة حريب شرق مأرب، التي اصبحت مركزا خطيرا لتحركات الجماعات الإمامية، وموقعا حاسما في مسار الحرب بين الثورة وخصومها.

معركة حريب وبداية المجد العسكري

دخل الشيخ العواضي معركة حريب وهو يدرك حجم الخطر الذي يهدد الجمهورية، وقبل وصوله الى هناك، استشهد القائد الجمهوري علي عبدالمغني في طريقه الى المعركة، ثم لحقه الشهيد علي محمد الاحمدي اول وزير اعلام للجمهورية، لكن العواضي واصل الطريق، وخاض مواجهات عنيفة ضد فلول الإمامة حتى تمكن من تطهير المنطقة بالكامل.

اثبت الشيخ العواضي خلال تلك المعارك قدرة عسكرية كبيرة، ونجح في رفع معنويات المقاتلين الجمهوريين، حتى تحول الى واحد من اهم القادة الميدانيين الذين اعتمدت عليهم القيادة الجمهورية في اخطر الجبهات.

قيادة الجبهات وتاسيس القوة الجمهورية

ادركت القيادة الجمهورية خطورة المرحلة، فاستدعت الشيخ العواضي الى صنعاء من اجل قيادة حملات عسكرية جديدة، استقبله الرئيس عبدالله السلال، وكلفه بقيادة قوة كبيرة مزودة بالسلاح والذخائر، فتحرك مباشرة نحو مأرب.

وفي منطقة العبدية اسس العواضي قيادة الجيش الجمهوري الميدانية، ومنها انطلق لادارة المعارك في مختلف الجبهات، وقاد رجال البيضاء وقبائل آل عواض في مواجهات مصيرية ضد القوات الإمامية.

لم يقتصر دوره على جبهة واحدة، بل تحرك بين الشرق والغرب، فقاد المعارك في المناطق الشرقية التي حصلت فيها الإمامة على دعم من الاحتلال البريطاني، كما شارك في تنسيق العمليات العسكرية مع المناضل ضيف الله المساعدي الذي تولى قيادة قوات الجمهوريين في الغرب.

كان العواضي قلب الجيش الجمهوري وروحه القتالية، يقاتل في كل الاتجاهات، ويقف في الصفوف الامامية دون خوف او تراجع.

محاولة اغتيال وعودة سريعة الى الجبهات

تعرض الشيخ العواضي لمحاولة اغتيال خطيرة نفذتها المخابرات البريطانية في مدينة حريب، عندما القى احد العملاء قنبلة عليه اثناء مروره في الشارع، اصيب في قدمه نتيجة الانفجار، لكنه لم يفقد رباطة جأشه، بل سحب بندقيته فورا وتمكن من قتل المهاجم في المكان.

نقل بعدها الى صنعاء لتلقي العلاج، ثم ارسل الى القاهرة بسبب خطورة الاصابة، لكن روحه المقاتلة لم تسمح له بالبقاء بعيدا عن الميدان، وما ان تعافى حتى عاد مباشرة الى جبهات القتال، ليستكمل مسيرته في الدفاع عن الجمهورية.

معارك التحرير من ارحب الى حجة

بعد عودته من القاهرة، قاد الشيخ العواضي معارك شرسة في منطقة ارحب، واستطاع بالتعاون مع كتائب الجيش المصري تحرير مناطق واسعة من سيطرة فلول الإمامة.

دفعت قبيلته ثمنا كبيرا خلال تلك المواجهات، واستشهد عدد من رجال آل عواض، وفي مقدمتهم شقيقه الشيخ جونة عبدربه العواضي الذي سقط في احدى المعارك وهو يقاتل دفاعا عن الجمهورية.

واصل العواضي تقدمه نحو محافظة حجة، وخاض معارك بطولية في المحابشة ومسور وكحلان، وتمكن من تطهيرها من القوات الإمامية، ثم سلم تلك المناطق الى الجيش المصري لتأمينها، وبعد ذلك اتجه نحو الحيمتين وبني مطر، حيث حقق انتصارات جديدة عززت مواقع الجمهوريين ورفعت من قوة الثورة.

عرف اليمنيون الشيخ العواضي كرجل للمراحل الصعبة، لا يعرف معنى الهزيمة، ولا يهرب من ساحات الخطر مهما كانت الظروف.

اسد الجمهورية في حصار السبعين

في عام 1967 دخلت الجمهورية اخطر مراحلها، عندما فرضت القوات الإمامية حصارا خانقا على صنعاء فيما عرف بحصار السبعين يوما، حاولت فلول الإمامة اسقاط العاصمة واعادة الحكم الكهنوتي من جديد، بينما كان الجمهوريون يقاتلون داخل صنعاء وسط ظروف شديدة القسوة.

كان الشيخ العواضي قد غادر صنعاء بعد اقالة الرئيس عبدالله السلال، لكنه لم يتردد لحظة عندما اشتد الحصار، جمع رجال قبيلته وتحرك نحو الحديدة، ومن هناك بدأ زحفه باتجاه العاصمة.

واجهت قواته طريقا مغلقا بالكامل من قبل المليشيات الإمامية، لكن العواضي قاد رجاله في معارك عنيفة حتى تمكنوا من فتح طريق صنعاء الحديدة، وهو الشريان الحيوي الذي انقذ العاصمة من السقوط.

لولا هذا التحرك العسكري الكبير، لسقطت صنعاء وعادت الإمامة لتفرض سيطرتها على اليمنيين من جديد، لكن العواضي ورجاله ثبتوا الجمهورية بدمائهم، وكتبوا واحدة من اعظم صفحات البطولة في تاريخ اليمن الحديث.

رجل دولة حمل مشروع الجمهورية

لم ينظر الشيخ العواضي الى الثورة باعتبارها مجرد معركة عسكرية فقط، بل رأى فيها مشروعا وطنيا كاملا يحتاج الى رجال صادقين يحافظون عليه بالتضحيات والعمل المستمر.

ورغم التهميش الذي تعرضت له قبائل آل عواض وعدد كبير من القبائل الجمهورية بعد قيام الثورة، فإنهم لم يغيروا مواقفهم، ولم ينحازوا يوما الى خصوم الجمهورية، بل ظلوا اوفياء لمبادئ سبتمبر ومدافعين عنها في مختلف المراحل.

اغتيال العواضي ورحيل بطل استثنائي

خسرت اليمن واحدا من اعظم رجالها عندما اغتيل الشيخ احمد عبدربه العواضي عام 1972، خلال فترة مليئة بالصراعات السياسية والاضطرابات التي عصفت بالبلاد.

رحل العواضي مرفوع الرأس بعدما قدم كل ما يملك من اجل وطنه، وترك خلفه سيرة نضالية عظيمة ورجالا ساروا على خطاه، محافظين على شرف النضال الجمهوري وروح ثورة سبتمبر.

سيظل اسم الشيخ احمد عبدربه العواضي حاضرا في ذاكرة اليمنيين باعتباره واحدا من ابرز ابطال الجمهورية، ورمزا خالدا للتضحية والشجاعة والوفاء الوطني، ورجلا كتب اسمه بدمه في سجل الخالدين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى