كابورك يعقوبيان.. الرجل الذي اخترق اسرائيل بخدعة مذهلة

في شوارع القاهرة الصاخبة، أواخر ثلاثينيات القرن الماضي، وبين زحام البشر وتنوع الثقافات وضجيج الحياة اليومية، ولد كابورك يعقوبيان، الشاب المصري ذو الأصول الأرمنية، قصير القامة، صاحب الشعر البني والعينين اللامعتين بالذكاء والطموح، حمل منذ طفولته روحا متمردة، وعشقا كبيرا للمغامرة، ورغبة دائمة في الهروب من حدود الحياة التقليدية إلى عالم أكثر إثارة وغموضا.
من هو كابورك يعقوبيان
كبر كابورك داخل الأحياء الشعبية في القاهرة، واستطاع قبل بلوغه الثانية والعشرين أن يتقن خمس لغات مختلفة، وهو ما كشف مبكرا عن ذكائه الحاد وقدرته الكبيرة على التعلم. لكن الحياة لم تمنحه الاستقرار الذي تمناه، ففي عيد ميلاده العشرين فقد والده، وأصبحت والدته الفقيرة مسؤوليته الوحيدة. حاول أن يصنع مستقبله من هوايته المفضلة، التصوير الفوتوغرافي، فكان يتنقل بين الحدائق العامة ويلتقط صور العائلات والعشاق مقابل مبالغ بسيطة. ومع اشتداد الضائقة المالية، انجرف نحو طرق خطيرة، لتنتهي به الرحلة داخل السجن ثلاثة أشهر بتهمة النصب والاحتيال.
داخل زنزانته الانفرادية، وخلال ديسمبر 1959، دخل حياته رجل غامض قلب كل شيء رأسا على عقب. جاءه رجل في الأربعينيات من عمره، هادئ الملامح، وتحدث معه بجملة قصيرة لكنها حملت عرضا مصيريا:
الحرية والأمان لك ولعائلتك، مقابل العمل لصالح المخابرات المصرية.
لم يحتج كابورك إلى وقت طويل للتفكير. كان يريد الخروج من الظلام بأي طريقة، ومستعدا لخوض أخطر المغامرات حتى يستعيد حياته من جديد.
اختارت المخابرات المصرية كابورك لتنفيذ مهمة شديدة التعقيد، وهي التسلل إلى اسرائيل، ليس كجاسوس عادي، بل كجندي داخل الجيش الاسرائيلي نفسه، مع التركيز على الوحدات الخاصة وأجهزة الاستخبارات. وعلى مدار عام كامل، تلقى تدريبات مكثفة داخل منزل سري في القاهرة، وتعلم أساليب التجسس الحديثة، مثل التخلص من المراقبة، واستخدام الحبر السري، وتصغير الصور، وتحليل المعلومات، وإرسال الرسائل المشفرة بطرق معقدة.
لكن المهمة لم تعتمد فقط على التدريب الأمني، بل احتاجت إلى بناء شخصية جديدة بالكامل. كان عليه أن يتحول إلى يهودي مصري متدين يعيش الدور بكل تفاصيله الدقيقة. خضع لعملية ختان داخل أحد مستشفيات القاهرة، وبدأ يتردد باستمرار على معبد بوابة السماء في شارع عدلي، يراقب الطقوس الدينية ويشارك في الصلوات حتى أصبح وجوده مألوفا ولا يثير أي شكوك. وفي الليل، كان يغوص في دراسة تاريخ اسرائيل ومجتمعها وثقافتها، ويحفظ أدق التفاصيل التي قد تحميه يوما من السقوط.
وفي خريف عام 1960، ظهرت شخصيته الجديدة إلى النور. أصبح اسمه إسحق كاوتشوك، يهودي مصري من أصول تركية، تنحدر عائلته من سالونيكا. صنعت له المخابرات قصة حياة متكاملة بإتقان شديد، تضمنت وفاة والدته ودفنها في مقابر البساتين، مع صورة لقبرها، إضافة إلى وثائق مزورة بدقة عالية لا تثير الشبهات. وبعدها حصل على شهادة لاجئ من الأمم المتحدة، قبل أن يسافر إلى البرازيل التي اختيرت بعناية لتكون نقطة العبور المثالية نحو اسرائيل.
وفي مارس 1961، غادر ميناء الإسكندرية إلى مدينة جنوة الإيطالية، ثم استقل السفينة الإسبانية كافاسان روكي المتجهة إلى البرازيل. وعلى متن السفينة، تعرف على رجل سيصبح بوابة دخوله إلى المجتمع الاسرائيلي، وهو إيلي أرجمان، القادم من أحد الكيبوتسات في النقب برفقة زوجته وابنتيه.
استطاع كابورك أن يكسب ثقته بسرعة مذهلة. حكى له قصة إسحق اليهودي المضطهد الهارب من مصر، وأظهر له صورة قبر والدته المزعومة، فتأثر إيلي بشدة حتى امتلأت عيناه بالدموع. ومنذ تلك اللحظة بدأت علاقة صداقة قوية، بينما كانت الخطة المصرية تتحرك بدقة شديدة.
واستمرت العلاقة بينهما بعد وصولهما إلى البرازيل، وهناك شجع إيلي صديقه الجديد على الهجرة إلى اسرائيل. تظاهر كابورك بالتردد والخوف، قبل أن يوافق في النهاية وكأنه يتخذ أخطر قرار في حياته. وفي مدينة ريو دي جانيرو، التقى بضابط مصري سلمه بطاقة هوية برازيلية تؤكد ديانته اليهودية.
ومع نهاية عام 1961، قدم طلب الهجرة بشكل رسمي، ثم عاد إلى جنوة للحصول على التعليمات الأخيرة من ضباط المخابرات المصرية:
تحرك بهدوء، واندمج ببطء، ولا تبدأ أي نشاط قبل وصول الأوامر، وفي ديسمبر من العام نفسه، وصل إسحق كاوتشوك إلى ميناء حيفا على متن السفينة يميت. استقبله إيلي أرجمان بحفاوة كبيرة، ورتب له الإقامة داخل أحد الكيبوتسات، لكن كابورك طلب بذكاء الانتقال إلى كيبوتس نجفا القريب من غزة، حتى يسهل تواصله السري مع القاهرة.
هناك، لفت الأنظار بسرعة بسبب نشاطه وإتقانه السريع للعبرية، التي كان يجيدها منذ البداية بشكل سري. ولم تفارق الكاميرا يديه أبدا، إذ كان يلتقط صورا للكيبوتس وزملائه ببراءة مصطنعة، بينما كان في الحقيقة يوثق كل شيء بعين جاسوس محترف.
وخلال تلك الفترة، وقعت فتاة في السابعة عشرة من عمرها في حبه، رغم اعتراض عائلتها على العلاقة، لكن كابورك ظل منشغلا بمهمته الكبرى التي اعتبرها أهم من أي مشاعر شخصية.
وفي عام 1962، التحق بالجيش الاسرائيلي، واختار الخدمة داخل سلاح النقل في منطقة بيت نبالا. وهناك، أصبح سائقا ومساعدا شخصيا للعقيد شمعيا بيكنيشتاين، أحد القادة السابقين في منظمة الهاغانا. منحته تلك الوظيفة فرصة ذهبية للوصول إلى معلومات حساسة، إذ اقترب من الوثائق السرية، وشاهد شخصيات بارزة مثل دافيد بن غوريون وموشيه ديان، بينما كانت صديقته التي خدمت في سلاح المدفعية تنقل له دون قصد تفاصيل تتعلق بوحدتها العسكرية.
لكن مع حلول عام 1963 بدأت مصادر المعلومات تقل تدريجيا، فوصلته أوامر من القاهرة بإنهاء مهمته العسكرية. وبعدها انتقل إلى العمل داخل استوديو تصوير في مدينة حيفا، واستمر في إرسال تقاريره إلى مصر عبر الرسائل المشفرة وأجهزة الإرسال السرية، إلا أن النهاية اقتربت بسرعة.
ففي التاسع عشر من ديسمبر 1963، اقتحم رجال الشاباك منزله في عسقلان، وصادروا أجهزة الإرسال والوثائق السرية. وجاء سقوطه بعد مراقبة دقيقة للبريد، إضافة إلى شكوك أثارها شرطي من أصول مصرية.
وخلال محاكمته في القدس، وصف الادعاء الاسرائيلي أسلوبه التجسسي بأنه شديد التطور، قبل أن تصدر المحكمة حكما بسجنه ثمانية عشر عاما، لكن القدر لم يكتب لتلك النهاية أن تستمر طويلا.
ففي مارس 1966، أطلقت السلطات الاسرائيلية سراحه ضمن صفقة تبادل أسرى عبر حاجز إيريز، مقابل ثلاثة اسرائيليين دخلوا الأراضي المصرية عن طريق الخطأ.



