العونة في الأردن.. تقليد شعبي يحول التعاون إلى أسلوب حياة
أسماء صبحي – في كثير من المجتمعات العربية حافظت العادات الشعبية على مكانتها باعتبارها جزءًا من الهوية الثقافية والاجتماعية. ومن بين أبرز هذه التقاليد عادة العونة في الأردن، وهي واحدة من أقدم صور التكافل الاجتماعي التي لا تزال مستمرة حتى اليوم خاصة في القرى والمناطق البدوية.
وتقوم فكرة العونة على تعاون مجموعة من الأهالي لمساعدة شخص أو عائلة في إنجاز عمل يحتاج إلى جهد كبير. سواء كان متعلقًا بالزراعة أو بناء المنازل أو تجهيز المناسبات الاجتماعية وذلك دون أي مقابل مادي في مشهد يعكس قوة الترابط بين أبناء المجتمع الأردني.
كيف بدأت عادة العونة في الأردن؟
يرجع تاريخ العونة إلى مئات السنين، حين كانت الحياة في القرى الأردنية تعتمد بشكل أساسي على العمل الزراعي والرعوي. وكانت الأسر بحاجة دائمة إلى دعم الجيران والأقارب لإنجاز الأعمال الموسمية الشاقة مثل حصاد القمح وقطف الزيتون وبناء البيوت الحجرية القديمة.
ومع مرور الوقت تحولت “العونة” من مجرد وسيلة للمساعدة إلى قيمة اجتماعية متوارثة تعبر عن الشهامة والكرم والوقوف بجانب الآخرين وقت الحاجة.
مشاهد التعاون في الحياة اليومية
في مواسم الحصاد كان أهالي القرية يتجمعون منذ ساعات الصباح الأولى للعمل معًا داخل الأراضي الزراعية. بينما تتولى النساء إعداد الطعام التقليدي وتقديمه للمشاركين فيتحول يوم العمل إلى مناسبة اجتماعية مليئة بالألفة والروح الجماعية.
كما ظهرت “العونة” في بناء المنازل حيث كان الرجال يشاركون في نقل الحجارة وتجهيز مواد البناء بينما يساعد آخرون في أعمال التشطيب. مما ساهم في بناء كثير من البيوت القديمة داخل القرى الأردنية بروح جماعية خالصة.
ولم تقتصر هذه العادة على الأعمال الزراعية فقط بل امتدت أيضًا إلى تجهيز حفلات الزواج والمناسبات العائلية. إذ يشارك الجيران والأقارب في التنظيم والطهي والاستقبال في صورة تعكس عمق العلاقات الاجتماعية داخل المجتمع الأردني.
“العونة” والهوية الثقافية الأردنية
يرى باحثون في التراث الشعبي أن “العونة” ليست مجرد عادة اجتماعية، بل تمثل جزءًا مهمًا من الهوية الثقافية الأردنية. لأنها تعكس قيم التعاون والتضامن التي تميز المجتمع.
كما أن استمرار هذه العادة حتى اليوم رغم تطور أساليب الحياة وظهور الخدمات الحديثة. يؤكد تمسك كثير من الأردنيين بالموروث الشعبي والعلاقات الإنسانية المباشرة خاصة في المناطق الريفية والبدوية.
وفي السنوات الأخيرة، بدأت مؤسسات ثقافية وجمعيات تراثية في الأردن بتنظيم فعاليات تستعيد أجواء “العونة” القديمة بهدف تعريف الأجيال الجديدة بأهمية هذا التقليد الشعبي ودوره في تعزيز روح الجماعة.
من القرى القديمة إلى المبادرات الحديثة
ورغم أن نمط الحياة الحديث قلّل من الاعتماد الكامل على “العونة”. فإن الفكرة نفسها لا تزال موجودة بأشكال مختلفة مثل المبادرات التطوعية وحملات المساعدة المجتمعية التي تنتشر في المدن الأردنية خلال الأزمات والكوارث الطبيعية.
ويؤكد مختصون اجتماعيون أن “العونة” ساهمت عبر التاريخ في ترسيخ مفهوم المسؤولية الجماعية. حيث يشعر كل فرد بأنه جزء من مجتمع مترابط يقوم على الدعم المتبادل وليس على المصالح الفردية فقط.
عادة قاومت الزمن
تمثل العونة في الأردن اليوم نموذجًا حيًا لقدرة العادات الشعبية العربية على البقاء رغم تغير الزمن. إذ نجحت في الحفاظ على قيمتها الاجتماعية والإنسانية باعتبارها رمزًا للتكافل والتعاون بين الناس.
وبين الماضي والحاضر، تبقى هذه العادة واحدة من أجمل صور التراث الأردني التي تعكس دفء العلاقات الإنسانية وروح المشاركة التي ميّزت المجتمعات العربية عبر التاريخ.



