تاريخ ومزارات

عين الخروبة في لبنان حكاية بلدة صغيرة صنعت إرثا روحيا كبيرا

تقع بلدة عين الخروبة في قضاء المتن الشمالي في لبنان، وتعود جذورها إلى قرون طويلة، كما  استمدت اسمها من عين ماء كان يقصدها الأهالي للشرب، وكانت هذه العين تقع قرب شجرة خرنوب كبيرة، فصار الناس يطلقون على المكان اسم عين الخروبة، وتميزت البلدة بصغر مساحتها، لكنها برزت بطاقات أبنائها الذين لعبوا أدوارا مهمة في المجتمع اللبناني، خاصة في المجالين الاجتماعي والروحي.

تاريخ عين الخروبة في لبنان

تقع البلدة شمال بلدة بكفيا، وارتبط تاريخها بزمن الأمير حيدر الشهابي، حيث شكلت جزءا من المنطقة الفاصلة بين كسروان والمتن، خرج من عين الخروبة عدد كبير من رجال الدين، من أساقفة وكهنة ورهبان وراهبات، خدموا الكنيسة المارونية في لبنان وخارجه. ومن أبرز الأسماء التي تنتمي إلى البلدة المطران ميخائيل دومط، المطران بطرس الجميل، المطران بولس الصياح، والمطران ناصر مارون الجميل.

يحافظ أبناء البلدة على تقاليدهم الروحية حتى اليوم، إذ يحرصون على زيارة الكنيسة صباحا قبل التوجه إلى أعمالهم، ويرسمون إشارة الصليب ويتضرعون إلى العذراء سيدة المعونات، كما يعودون إليها عند نهاية يومهم طلبا للمعونة وتعبيرا عن الشكر.

بنى الأهالي كنيسة سيدة المعونات القديمة عام 1785، ويؤكد النقش الموجود على أرضية المذبح هذا التاريخ، كما جاءت الكنيسة في بدايتها صغيرة وبسيطة على الطراز التقليدي، بسقف خشبي مغطى بالتراب ومع مرور الوقت، أعاد الأهالي بناءها ووسعوها لتناسب حاجات البلدة، وشكلت الكنيسة آنذاك مركزا روحيا للمنطقة، فكان سكان القرى المجاورة مثل حملايا والمياسة والسفيلة يقصدونها للصلاة والمشاركة في القداس.

لعبت عائلة الجميل دورا رئيسيا في إعادة بناء الكنيسة، وتكفلت بمعظم تكاليفها، ويروي الأهالي أن هذا العمل جاء وفاء لنذر قطعته العائلة بعد حادثة اختطاف أحد أفرادها، حيث نجا بعد أن استغاث بالعذراء، فعادت العائلة وأكملت بناء الكنيسة تقديرا لهذه النجاة.

سميت الكنيسة باسم سيدة المعونات نسبة إلى طلب المعونة الذي يرفعه المؤمنون للعذراء في أوقات الشدة والخطر.

تتوسط الكنيسة لوحة فنية للفنان داوود القرن، تجسد السيدة العذراء مريم وهي تحمل الطفل يسوع، بينما يفتح ذراعيه في إشارة إلى السلام والطمأنينة، وتعكس اللوحة رسالة روحية تدعو المؤمنين إلى الثقة وعدم الخوف.

وعلى جانبي اللوحة تظهر صور مار مارون ومار شربل، كما تضم الكنيسة مدافن المطران بطرس الجميل والخوري بطرس الجميل، وهما من أبناء البلدة.

توجد داخل الكنيسة أيقونة تمثل معمودية السيد المسيح على يد يوحنا المعمدان فوق جرن المعموديةن ويتميز المكان بوجود نافذة صغيرة تسمح بدخول الضوء إلى المذبح، وهو تقليد معماري يرمز إلى حضور النور الإلهي.

تستقبل الكنيسة الزوار طوال العام، وتفتح أبوابها للصلاة والتأمل تقام فيها رتبة سجود القربان المقدس أيام الخميس، والقداس الإلهي يومي السبت والأحد، ويجد الزائرون فيها أجواء من السكينة والخشوع.

يحافظ مذبح الكنيسة على طابعه التقليدي، حيث يقف الكاهن أثناء القداس متجها نحو المذبح، في تعبير عن توجه الجماعة كلها نحو المسيح.

ترتبط البلدة أيضا بسيرة القديسة رفقا، إذ تنحدر والدتها من عين الخروبة، وقضت رفقا جزءا من طفولتها فيها، ويرجح أن تكون قد تعمدت في هذه الكنيسة لكونها الوحيدة في المنطقة آنذاك.

تجتمع أخوية الحبل بلا دنس كل يوم خميس في الكنيسة، حيث يشارك الأعضاء في لقاء روحي مع الكاهن، ويؤدون الصلوات، ثم يزورون المرضى أو يخططون لنشاطات اجتماعية وروحية.

تمثل كنيسة سيدة المعونات دعوة دائمة للعودة إلى الجذور الروحية المارونية، والتمسك بالقيم التي أسسها الأجداد، وتبقى عين الخروبة نموذجا لبلدة صغيرة حافظت على هويتها، وصنعت حضورا روحيا يتجاوز حدودها الجغرافية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى