مساجد حلب بين المجد والدمار.. رحلة مدينة تحكي تاريخ الحضارات وتستعيد نبضها من تحت الركام

تعد مدينة حلب من اكثر المدن السورية التي تعاقبت عليها حضارات ودول عبر التاريخ، ويرتبط ذلك بموقعها الجغرافي المميز على طريق الحرير، ومكانتها الجيوسياسية التي ربطت الشرق بالغرب، وهو ما جعلها مركزا غنيا بالاثار من معابد وقلاع، بينما تحتل المساجد فيها مكانة خاصة، لانها تمثل شاهدا حيا على الحضارات الاسلامية التي حكمت المدينة منذ فتحها عام 637 ميلادية.
تاريخ مساجد حلب
ويقدر عدد المساجد والمصليات التاريخية التي تعود الى ما قبل العهد العثماني وما سبقه، والواقعة داخل اسوار المدينة القديمة والمناطق المحيطة بها، بما يتراوح بين مئة وعشرين الى مئة وخمسين معلما دينيا اثريا، حيث تتنوع هذه المعالم بين جوامع كبرى ومدارس دينية وزوايا صوفية، وهو ما يعكس ثراء المشهد الديني والثقافي في المدينة عبر العصور.
تاريخ تحت الركام، حيث تسببت الحرب التي شنها النظام المخلوع على الشعب السوري على مدار اربعة عشر عاما في تدمير مساحات واسعة من المدينة القديمة في حلب، والتي ظلت تحت سيطرة الجيش الحر بين عامي 2011 و2016، وهو ما ترك اثارا عميقة على معالمها التاريخية والدينية.
ولم تنج المساجد الاثرية من هذا الدمار، بما في ذلك الجامع الاموي الكبير، حيث تعرضت هذه المعالم الى تخريب جزئي وكلي، واكد مدير المكتب الاعلامي في مديرية اوقاف حلب محمد اسقاطي ان عدد المساجد الاثرية في المدينة وصل الى مئتين وثمانية واربعين مسجدا، يقع اغلبها داخل المدينة القديمة، وقد تعرضت نسبة كبيرة منها لاضرار متفاوتة.
واضاف اسقاطي في حديثه لصحيفة الثورة السورية ان الجهات المعنية تعمل على وضع خطط لاعادة ترميم هذه المساجد وفق اولويات محددة، حيث تاخذ هذه الخطط في الاعتبار الحالة الانشائية لكل مسجد، وحجم الاضرار التي لحقت به، ومدى حاجة السكان، الى جانب توفر مصادر التمويل اللازمة لتنفيذ عمليات الترميم.
وفيما يخص ترتيب الاولويات، اشار الى ان ترميم الجامع الاموي الكبير في حلب يتصدر قائمة المشاريع، حيث يتوقع افتتاحه مع نهاية شهر مايو المقبل، بالتزامن مع عيد الاضحى المبارك، وهو ما يمثل خطوة مهمة في استعادة احد ابرز رموز المدينة التاريخية.
اهمية اقتصادية واستراتيجية، حيث اوضح اسقاطي ان اعادة تاهيل المساجد الاثرية لا تقتصر على الجانب الديني فقط، بل تمتد لتشمل ابعادا اقتصادية واجتماعية مهمة، اذ تسهم هذه الخطوة في تشجيع عودة السكان والتجار الى المنطقة، نظرا لما تمثله هذه المساجد من نقاط جذب سياحي وثقافي.
كما اشار الى ان العديد من هذه المساجد يضم مدارس دينية، وهو ما يتيح اعادة تفعيل دورها التعليمي من جديد، عبر توفير مراكز لتعليم اللغة العربية والقران الكريم للاطفال والنساء، الامر الذي يعزز حضورها داخل المجتمع، الى جانب دورها التاريخي والديني، حيث تضم حلب عددا من المدارس الدينية المرتبطة بالمساجد الاثرية، من ابرزها المدرسة الفردوسية، والمدرسة الحلوية، والمدرسة المقدمية، والمدرسة السلطانية، والمدرسة الاحمدية، الى جانب الكلتاوية والظاهرية وغيرها.
وتعد المساجد الاثرية، خاصة الواقعة داخل اسوار المدينة القديمة، من اهم عناصر الجذب السياحي والتنمية الاقتصادية في حلب، حيث تقع ضمن شبكة اسواق اثرية تمتد لمسافات طويلة، وتحيط بقلعة حلب التي تعد واحدة من اقدم المعالم التاريخية في العالم، وهو ما يمنح المدينة طابعا فريدا يجمع بين التاريخ والحياة اليومية.
ويرى الباحث في الشؤون الاقتصادية معتز قوجة ان ترميم هذه المساجد سيجعلها وجهة لالاف الزوار من داخل سوريا وخارجها، مشيرا الى ان تنوع طرزها المعمارية يجعلها بمثابة سجل حي يروي تاريخ الحضارات التي مرت على المدينة، ويعكس ثراءها الحضاري عبر القرون.
واضاف ان البعض قد يعتقد ان الجامع الاموي يكفي لتمثيل مساجد حلب القديمة، لكن الواقع يشير الى وجود مساجد تعود الى عهد الخليفة عمر بن الخطاب، وهو ما يمنح المدينة تنوعا كبيرا قادرا على جذب مئات بل الاف السياح، الامر الذي سينعكس بشكل مباشر على النشاط التجاري داخل الاسواق المحيطة، ويشكل موردا اقتصاديا مهما يوازي اهمية القطاع الصناعي في المدينة.



