تاريخ ومزارات

 أبو علي منصور بن المستعلي بالله.. الخليفة الذي ابتلعه العرش في ازقة القاهرة

في قلب القاهرة الفاطمية، حيث القصور المزخرفة والاسواق المزدحمة والازقة التي تحمل اسرار السلاطين والخلفاء، بدأت حكاية شاب لم يتوقع احد ان يتحول اسمه الى واحدة من اكثر الشخصيات غموضا ومأساوية في تاريخ الدولة الفاطمية، ففي عام 1101م، جلس ابو علي منصور بن المستعلي بالله على عرش الخلافة وهو لم يتجاوز السادسة عشرة من عمره، ليصبح الخليفة العاشر للدولة الفاطمية، ويتخذ لنفسه لقب الآمر باحكام الله.

بدا المشهد مهيبا امام اهل القاهرة، فتى صغير يرتدي تاج الخلافة ويجلس فوق عرش حكم امتد نفوذه لسنوات طويلة في مصر والشام وشمال افريقيا، لكن الحقيقة خلف جدران القصر لم تكن كما ظهرت للناس، فالسلطة الحقيقية بقيت في يد الوزير القوي الافضل شاهنشاه، الرجل الذي ادار شؤون الدولة بقبضة صارمة، وجعل الخليفة الشاب مجرد واجهة تحمل اللقب دون ان تمتلك القرار.

صراع خفي داخل القصر

مرت الاعوام، وكبر داخل الآمر شعور ثقيل بالاختناق. لم يحتمل ان يعيش خليفة بالاسم فقط بينما يتحكم غيره في الجيش والمال والقرارات. كان يرى نفسه صاحب الحق الكامل في الحكم، بينما وقف الافضل شاهنشاه حاجزا ضخما بينه وبين السلطة.

وفي الخفاء، بدأ الخليفة الشاب يرتب خطواته بعناية راقب خصومه، وتحرك بصمت داخل القصر، حتى جاءت اللحظة الحاسمة عام 1121م سقط الافضل شاهنشاه قتيلا في عملية غامضة هزت القاهرة كلها، وسرعان ما استلم الآمر زمام الحكم بنفسه، ثم عين المأمون البطائحي وزيرا جديدا ليبدأ مرحلة مختلفة تماما في حياته السياسية.

عندما غيرت السلطة صاحبها

في البداية، ظن المقربون من الخليفة ان سنوات التهميش جعلته اكثر حرصا على العدل والانصاف، لكن السلطة غيرت شخصيته بسرعة تحول الشاب الذي حلم بالتحرر من هيمنة الوزراء الى حاكم شديد الشك والريبة، يخاف من كل صوت معارض، ويرى المؤامرات في كل زاوية من زوايا القصر.

ازدادت قسوته يوما بعد يوم، وبدأ يسكت خصومه بالقوة والسيف، لم يعد يثق حتى في اقرب الناس اليه، وبدأت الخلافات تدب داخل اسرته نفسها، وفي اسواق القاهرة ومساجدها، انتشرت الهمسات عن غضب الناس من بطشه وتقلبه، بينما راحت الشائعات تتحدث عن مؤامرات وصراعات تدور في الخفاء.

الدولة الفاطمية تنزف

وفي الوقت الذي انشغل فيه الآمر بصراعاته الداخلية، تعرضت الدولة الفاطمية لسلسلة من الضربات القاسية، فقدت الدولة كثيرا من مواقعها المهمة في بلاد الشام، وسقطت مدن الساحل الواحدة تلو الاخرى في يد الفرنجة.

خسرت الدولة عكا وطرابلس وبيروت وصيدا وتبنين وصور، وحتى مدينة الفرما لم تنج من السقوط، بدا المشهد وكأن الدولة الفاطمية تفقد قوتها تدريجيا، بينما يقف الخليفة عاجزا عن وقف هذا التراجع الخطير، كما شعر الناس ان الدولة التي ارعبت خصومها لعقود طويلة بدأت تدخل مرحلة الانهيار البطيء.

الليلة التي تغير فيها كل شيء

وفي ليلة من ليالي ذي القعدة سنة 524هـ، الموافق للسابع من اكتوبر عام 1130م، خرج الآمر باحكام الله في موكبه الملكي بين القاهرة والجزيرة، يبحث عن لحظة هدوء بعيدا عن توتر القصر ومؤامرات السياسة، سار موكبه وسط الشوارع الضيقة، بينما ظن الجميع ان الليلة ستمر كغيرها، لكن القدر كان يخبئ نهاية مختلفة تماما.

في احد الازقة، ظهرت جماعة ملثمة تحمل السيوف والخناجر، انقض الرجال بسرعة على الخليفة، ولم تمنحه الحراسة وقتا كافيا للنجاة لمع الحديد تحت ضوء القمر، وسقط الآمر مضرجا بدمائه بعد اصابات خطيرة هزت من شاهد الحادثة.

قالت الروايات ان المهاجمين ينتمون الى جماعة النزارية، وانهم نفذوا العملية انتقاما للصراع القديم بين المستعلي بالله وعمه نزار، لكن كثيرين شككوا في الرواية، واعتقدوا ان مؤامرة كبيرة دبرت داخل القصر نفسه.

موت الخليفة وغرق القاهرة في الشكوك

حمل الجنود الخليفة المصاب الى القصر، لكنه لم يتمكن من النجاة، فارق الحياة بعدما حكم الدولة قرابة تسع وعشرين سنة وتسعة اشهر، لتنتهي واحدة من اكثر الفترات اضطرابا في تاريخ الفاطميين.

وفي صباح اليوم التالي، غرقت القاهرة في بحر من الاسئلة، تحدث البعض عن دور الحشاشين في الاغتيال، بينما اتهم اخرون قادة الجيش ورجال القصر بالتخطيط للجريمة، ورغم كثرة الروايات، لم يعرف احد الحقيقة الكاملة حتى اليوم.

وزاد الوضع تعقيدا ان الآمر لم يحدد خليفة واضحا قبل موته، فدخلت الطائفة الاسماعيلية في انقسام خطير، بايع فريق ابنه الصغير الطيب ابا القاسم، وظهر ما عرف لاحقا بالطائبية، بينما اختار فريق اخر عبد المجيد ابن عم ابيه، الذي حمل لقب الحافظ لدين الله، فظهرت الحافظية.

النهاية التي حفظها التاريخ

لم تكن نهاية الآمر باحكام الله مجرد حادثة اغتيال عابرة، بل شكلت بداية مرحلة جديدة من الضعف والانقسام داخل الدولة الفاطمية، انتهى الفتى الذي صعد العرش ممتلئا بالطموح والاحلام مقتولا في زقاق مظلم، بعدما ابتلعته صراعات السلطة والخوف والشكوك.

وحتى اليوم، ما زالت حكاية الآمر بأحكام الله تتردد بين جدران القاهرة القديمة، كقصة تذكر الجميع ان العرش قد يمنح المجد لصاحبه، لكنه احيانا يقوده بنفس السرعة نحو السقوط والنهاية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى