الدب الجندي فويتك.. حكاية مدهشة من قلب الحرب العالمية الثانية بين الوفاء والبطولة

واحدة من اكثر القصص غرابة واثارة في سجل الحرب العالمية الثانية، يبرز اسم الدب فويتك الذي تحول من شبل يتيم الى جندي رسمي في الجيش البولندي، وشارك فعليا في دعم العمليات العسكرية خلال معركة مونتي كاسينو عام 1944، قبل ان يصبح لاحقا واحدا من اشهر رموز الوفاء بين الانسان والحيوان.
قصة الدب الجندي فويتك
وتعود تفاصيل هذه القصة الى عام 1942، عندما تمركز جنود من السرية 22 لامدادات المدفعية التابعة للجيش البولندي في مدينة همدان بايران، بعد ان خرجوا من معسكرات العمل السوفييتية عقب اندلاع الحرب ضد المانيا النازية، حيث بدأت ملامح الحكاية تتشكل في ظروف صعبة ومليئة بالتحديات.
وخلال وجود الجنود في تلك المنطقة، التقى افراد الوحدة براعي ماشية شاب كان يحمل كيسا من الخيش، وداخل هذا الكيس وجدوا شبل دب بني صغير فقد امه، ويرجح ان صيادين قتلوها، فتعاطف الجنود معه وقرروا انقاذه من مصير مجهول.
وقام الجنود بمقايضة الراعي بسكين سويسري وعلب لحم معلب وقطع شوكولاتة مقابل الحصول على الشبل، ليبدأ فصل جديد في حياة هذا الحيوان، واطلقوا عليه اسم فويتك، وهو اختصار لاسم بولندي يعني المحارب المبهج، وهو الاسم الذي لخص شخصيته التي ستتطور لاحقا داخل المعسكر.
اندماج غير مسبوق في الحياة العسكرية، حيث تحول فويتك بسرعة الى جزء اساسي من حياة الجنود اليومية، فتبناه افراد الوحدة واعتبروه رفيقا لهم، ومع مرور الوقت تأقلم بشكل واضح مع الاجواء العسكرية، حتى ان احد الجنود علمه اداء التحية والتلويح والمشي بطريقة تشبه الجنود.
وقام الجنود باطعامه الحليب المكثف باستخدام زجاجة فارغة، ومع نموه بدأ يكتسب عادات غذائية غير تقليدية شملت العسل والمربى، وهي اطعمة نادرة في زمن الحرب، مما جعله مميزا حتى في نمط حياته داخل المعسكر.
ولم تقتصر حياة فويتك على الطعام والتدريب، بل اشتهر بسلوكيات لافتة، حيث كان يشارك الجنود في المصارعة والملاكمة، ويركب الشاحنات العسكرية، كما احب الاستحمام بالماء البارد لفترات طويلة، حتى تعلم بنفسه تشغيل المياه، وهو امر اثار دهشة كل من شاهده.
وفي واقعة طريفة تحولت الى جزء من تاريخه، تسبب فويتك في كشف متسلل داخل المعسكر، بعدما احدث ضجيجا كبيرا اثار الخوف، مما دفع المتسلل الى الاستسلام، ونتيجة لذلك حصل فويتك على امتيازات اضافية، من بينها حرية استخدام مرافق الاستحمام.
تجنيده رسميا في الجيش البولندي، جاء مع اقتراب عام 1944 عندما استعدت وحدة المدفعية للانتقال الى ايطاليا، حيث واجه الجنود مشكلة قانونية بسبب منع اصطحاب الحيوانات، فقرروا تسجيل فويتك رسميا كجندي داخل الجيش.
ومنحوه رتبة جندي ورقما عسكريا خاصا، وادخلوا اسمه ضمن كشوف الرواتب، كما خصصوا له حصصا غذائية، ليصبح الحالة الوحيدة المعروفة لدب يسجل رسميا كجندي في جيش خلال الحرب العالمية الثانية.
معركة مونتي كاسينو ودور رمزي في نقل الذخيرة، حيث شارك فويتك خلال هذه المعركة التي تعد من اعنف معارك الحلفاء في اوروبا، ولاحظ الجنود انه بدأ يقلدهم في حمل صناديق الذخيرة الثقيلة، فصار ينقل قذائف المدفعية بين الشاحنات ومواقع القتال.
واعتبر الجنود هذا السلوك دعما عمليا ومعنويا في الوقت نفسه، وبعد هذه المشاركة اعتمدت الوحدة شعارا جديدا يظهر دبا يحمل قذيفة مدفعية، في اشارة مباشرة الى فويتك ودوره في المعركة.
تأثيره على معنويات الجنود، لم يقتصر على دوره الميداني، بل امتد ليشمل الجانب النفسي، حيث وفر لحظات من الترفيه والراحة وسط قسوة الحرب، وساهم في تقوية الروابط بين الجنود، كما نال اعجاب واحترام القوات الحليفة التي تعرفت على قصته.
بعد الحرب من المعسكرات الى اسكتلندا، حيث نقل فويتك مع وحدته الى معسكر اعادة توطين في اسكتلندا، وهناك عاش حياة اكثر استقرارا، فحصل على طعام منتظم، وتم تخصيص حوض سباحة له، وشارك في بعض الاعمال البسيطة داخل المزارع.
ومع تسريح الجنود البولنديين ظهرت تحديات تتعلق بمستقبله، خاصة انه لم يستطع العيش في البرية، كما ان الظروف السياسية في بلاده لم تسمح بعودته، مما جعل البحث عن حل دائم امرا ضروريا.
حديقة حيوان ادنبرة المحطة الاخيرة، حيث تم نقله عام 1947 الى الحديقة في اسكتلندا، واصبح واحدا من اشهر معالمها، وظل الجنود السابقون يزورونه باستمرار ويقدمون له الهدايا مثل الحلوى والسجائر.
ووفقا لشهادات معاصرة، ظل فويتك يستجيب لبعض الاوامر البولندية، ويتفاعل مع الزوار بود رغم حجمه الكبير، واستمر في العيش داخل الحديقة حتى نفوقه عام 1963، لتبقى قصته واحدة من اغرب واعمق الحكايات التي جمعت بين الانسان والحيوان في زمن الحرب.



