أسرار الحنطور في طنطا.. حكاية عائلة تحرس تراث 150 عامًا من الاندثار

في قلب مدينة طنطا، حيث تعبق الشوارع بروح الماضي وتختزن الأزقة حكايات الزمن الجميل، تقف ورش صناعة “الحنطور” كإحدى أقدم القلاع التراثية في مصر، هنا لا تصنع مجرد عربات خشبية، بل يبعث تاريخ يمتد لأكثر من 150 عامًا، حفظت أسراره عائلة “عاشور” التي توارثت هذه الحرفة جيلًا بعد جيل، حتى أصبح الحنطور جزءًا أصيلًا من هويتهم وكيانهم.
جذور لا تموت
وسط أدواته العتيقة ومطارقه التي شهدت مرور الزمن، يجلس الحاج صلاح عاشور، صاحب الورشة، مستعيدًا حكاية بدأت قبل قرن ونصف. يقول بفخر واضح: “المهنة دي مش جديدة علينا، دي تاريخ عمره أكتر من 150 سنة. أبويا وجدي وأبو جدي اشتغلوا مع الخواجات الإيطاليين في بدايات القرن الماضي”.
لم تكن الورشة مجرد مكان للعمل، بل كانت بمثابة مدرسة يتعلم فيها الأبناء أصول الصنعة من جذورها. ويضيف: “اتعلمت من أبويا وأنا صغير، وكملت المشوار أنا وأخويا، ودلوقتي بنعلم أولادنا”.
الحنطور روح بتتشكل
كما داخل الورشة، لكل تفصيلة معنى، فالخشب ليس مجرد مادة خام، بل كيان يتشكل على يد صانع يمنحه الحياة.
يوضح الحاج صلاح: “أصعب حاجة إن الحنطور يطلع مظبوط، لازم يكون متوازن وشكله أنيق. بنستخدم خشب الزان والسنط والتوت، وكل تفصيلة ليها حساب. العربة الواحدة ممكن تاخد 3 شهور شغل”.
هذه الدقة حولت كل حنطور إلى قطعة فنية تحمل بصمة صانعها، وتعكس مهارة متوارثة عبر الأجيال.
فخر الجيل الجديد
إلى جوار الحاج صلاح، يقف الجيل الجديد ممثلًا في أبنائه وأبناء شقيقه. كريم عاشور، الابن الأكبر، الذي قرر مواصلة الطريق، يقول بفخر: “أنا اتربيت في الورشة، وبدأت أتعلم من وأنا عندي 5 سنين، واتعلمت من أبويا وعمي كل حاجة”.
ويضيف: “المهنة دي مش شغل وبس، دي تاريخ عيلتنا، وأنا فخور إني بكمل اللي بدأه جدي وأبويا وعمي”.
وأشار كريم إلى تراجع انتشار الحنطور مقارنة بالماضي، قائلاً: “زمان طنطا كان فيها أكتر من 4000 حنطور، دلوقتي التكاتك بقت مسيطرة، لكن طول ما في ناس بتحب التراث، المهنة دي هتفضل موجودة، وأنا نفسي أطورها وترجع زي زمان”.
عربات للأعيان والفنانين
لم تقتصر شهرة ورشة عاشور على نطاقها المحلي، بل امتدت لتخدم شخصيات بارزة، حيث صنعت عربات للخديوي توفيق، والعائلة المالكة، والرئيس الراحل أنور السادات وزوجته جيهان السادات، والشيخ محمد متولي الشعراوي، إلى جانب نجوم الفن مثل أحمد السقا.
ويقول الحاج صلاح: “اشتغلنا مع ناس كبيرة وكانوا دايمًا راضين عن شغلنا، لأننا بنحط اسمنا في كل حنطور بنعمله، ودلوقتي بنركز على الأماكن السياحية زي الأقصر وأسوان وكورنيش النيل والإسكندرية”.
كما ظهرت هذه الحناطير في أعمال فنية جسدت أجواء الزمن القديم، من أبرزها مسلسل “حديث الصباح والمساء”، الذي أضفى على مشاهده طابعًا تراثيًا أصيلًا.
وعن مراحل التصنيع، يوضح الحاج صلاح أن الحنطور يمر بعدة خطوات دقيقة تستغرق نحو 3 أشهر:
أولاً: تجهيز وتقفيل الخشب
تبدأ العملية باختيار أجود أنواع الأخشاب مثل الزان والسنط والتوت، ثم تقطيعها وتشكيلها بعناية لتكوين الهيكل الأساسي، مع ربط الأجزاء بدقة لضمان المتانة والتوازن.
مرحلة أعمال الحديد
يتم تصنيع الشاسيه والعجلات والأجزاء المعدنية، ثم تثبيتها بإحكام مع الهيكل الخشبي لضمان قوة التحمل.
مرحلة الدهان والتشطيب
تصنفر الأخشاب وتطلى على عدة مراحل، مع إضافة الزخارف والتفاصيل الكلاسيكية التي تمنح الحنطور مظهرًا مميزًا.
رابعًا (التنجيد)
يتم تجهيز المقاعد باستخدام خامات عالية الجودة من القماش أو الجلد، مع مراعاة الراحة والمظهر الجمالي.
التقفيل النهائي
تجمع جميع المكونات معًا، ويتم فحص كل التفاصيل بدقة قبل تسليم العربة في صورتها النهائية.
ويؤكد أن كل مرحلة تخضع لمراجعة دقيقة لضمان خروج الحنطور كقطعة فنية متكاملة تعكس خبرة طويلة.
من طنطا إلى الخارج
رغم بساطة الورشة، تجاوزت شهرتها حدود مصر. يقول كريم: “بنصدر شغلنا للخارج، وفي طلبات من أوروبا والدول العربية، وده بيخلينا نحس بقيمة تعبنا”، وهو ما يعكس جودة الصناعة المصرية حين تجد من يحافظ عليها بإخلاص.
تحديات الزمن
لم تكن الرحلة سهلة، فمع انتشار وسائل النقل الحديثة، تراجع الطلب على الحناطير بشكل ملحوظ.
يقول الحاج صلاح: “زمان كان الحنطور في كل مكان، دلوقتي قل بسبب التوك توك وسرعة الحياة، لكن لسه في ناس بتقدّر الشغل ده”.
أمل لا ينطفئ
رغم التحديات، يتمسك أفراد العائلة بالأمل في استمرار المهنة. يقول كريم: “مش هنسيبها تموت، دي روحنا. وهفضل أتعلم وأشتغل وأعلم ولادي لحد ما أطورها وترجع زي زمان”.
حكاية تراث
قصة ورشة عاشور ليست مجرد حرفة، بل مرآة لذاكرة مصر الشعبية، حيث يمتزج صوت المطرقة برائحة الخشب ليحكي تاريخًا طويلًا من الإبداع والكفاح.
وفي كل كلمة ينطق بها الحاج صلاح، وكل خطوة يخطوها أبناؤه داخل الورشة، يتأكد أن الحنطور لم يكن يومًا مجرد وسيلة نقل، بل سيظل رمزًا للأصالة التي ترفض الاندثار.



