تاريخ ومزارات

أخ ضد أخ.. حين اشتعل العرش العثماني بين الدم والسلطة

في قلب الدولة العثمانية، برز اسم السلطان بايزيد الثاني، ابن السلطان محمد الفاتح وحفيد مراد الثاني، وُلد في الثالث من ديسمبر سنة 1447م، ونشأ ليكون أكبر أبناء والده، لم يكن مجرد وريث تقليدي، بل كان شخصية تجمع بين قوة القيادة وهدوء الروح، بين سيف الميدان واهتمامه بالعلم والتقوى، فكان مختلفا عن كثير من سلاطين عصره.

قصة الدم بين الاخوين

عندما توفي والده محمد الفاتح سنة 1481م، كان بايزيد يحكم مدينة اماسية في آسيا الصغرى، لكن خبر الوفاة تسرب سريعا إلى أخيه الأصغر جم، الذي كان يدير إقليم القرمان، فتحرك على الفور نحو اسطنبول محاولا السيطرة على الحكم قبل وصول أخيه الأكبر، في محاولة سريعة لحسم الصراع على العرش.

 

اشتعلت العاصمة بالتوتر، وغضب الانكشارية من محاولات التلاعب بمصير الدولة، فقتلوا الوزير الذي دعم جم، واندلعت اعمال فوضى ونهب في بعض الأحياء، ثم قرروا تعيين كورقود ابن بايزيد نائبا مؤقتا حتى يصل والده ويتولى الحكم بنفسه، في خطوة هدفت إلى حفظ توازن الدولة ومنع انهيارها.

 

في تلك اللحظات الحاسمة، تحرك بايزيد بسرعة مذهلة، فجمع اربعة آلاف فارس، وقطع مسافة طويلة وشاقة خلال تسعة ايام فقط، حتى وصل إلى القسطنطينية، وهناك تولى الحكم وتوج سلطانا على الدولة العثمانية، ليبدأ فصل جديد من الصراع.

 

لم يدم الاستقرار طويلا، إذ علم جم بما حدث، فجمع قواته وتوجه إلى بورصة، وتمكن من دخولها بالقوة بعد هزيمة الحامية، ثم حاول إنهاء النزاع بطريقة مختلفة، فأرسل إلى أخيه يعرض تقسيم الدولة، بحيث يحكم هو آسيا ويترك أوروبا لبايزيد، لكن الرد جاء حاسما، الدولة واحدة لا تقبل القسمة.

 

التقى الجيشان قرب مدينة يكي شهر في يوليو سنة 1481م، ودارت معركة قوية انتهت بانتصار بايزيد بشكل واضح، فاضطر جم إلى الفرار نحو حدود مصر، حيث لجأ إلى القاهرة ضيفا على سلطان المماليك، لكنه لم يتخل عن حلمه في الحكم.

 

عاد جم بعد عام بمحاولة جديدة مستندا إلى دعم بعض الأمراء، لكنه تلقى هزيمة ثانية، فهرب هذه المرة إلى جزيرة رودس، وهناك استقبله فرسان القديس يوحنا بحفاوة، لتبدأ واحدة من أغرب مراحل حياته، حيث تحول من أمير طامح إلى ورقة سياسية تتناقلها القوى الكبرى.

 

طلب بايزيد من فرسان رودس إبقاء أخيه تحت رقابة مشددة مقابل مبلغ سنوي ضخم بلغ خمسة واربعين الف دوكا، مع ضمان عدم تسليمه لأي طرف معاد للدولة، فوافقوا على ذلك، ونقلوا جم لاحقا إلى فرنسا، ثم إلى روما حيث بقي تحت سلطة البابا، يعيش حياة أقرب إلى الأسر منها إلى الحرية.

 

استمر وضع جم على هذا الحال ثلاثة عشر عاما، تنقل خلالها بين مدن اوروبية كرهينة سياسية، حتى توفي سنة 1495م في نابولي، وبعد وفاته نُقلت رفاته لاحقا إلى بورصة، ليُدفن بجوار اجداده، وتنتهي بذلك قصة صراع مرير بين اخوين فرقهما العرش.

 

اما بايزيد الثاني، فقد واصل حكمه للدولة مدة تزيد عن ثلاثين عاما، اتسمت سياسته بالميل إلى السلم دون التفريط في قوة الدولة، فخاض حروبا عند الضرورة، وعقد صلحا مع المماليك، وامتدت حملاته البحرية حتى سواحل البندقية، كما شهد عهده ظهور قوة الصفويين في فارس بقيادة الشاه اسماعيل.

 

عرف بايزيد بتدينه الشديد، وحرصه على الصلاة وعدم التفريط فيها، وكان يحتفظ بغبار المعارك الذي يعلق بثيابه بعد كل غزوة، ويجمعه بعناية، إيمانا منه بقيمته في ميزان الجهاد، وعندما اقتربت وفاته، أوصى بأن يوضع هذا الغبار تحت خده في قبره، تعبيرا عن تعلقه بطريق الجهاد.

 

ومن المواقف التي تكشف عن تقواه، ما حدث عند افتتاح الجامع الذي بناه في اسطنبول، حيث طلب الامام ان يتقدم للصلاة من لم تفته صلاة فرض طوال حياته، فساد الصمت، ثم تقدم بايزيد بنفسه وام الناس، ليؤكد حضوره الديني قبل السياسي، ويكسب محبة الناس واحترامهم.

 

اهتم السلطان بالعلم والعلماء، فأنشأ المدارس والمستشفيات والتكايا، واعتنى بأهل الحرمين الشريفين، فجمع بين الحزم والرحمة، ما جعله قريبا من قلوب رعيته، رغم صعوبة المرحلة التي عاشتها الدولة.

 

وفي نهاية حياته، تعرض لضغط شديد من الانكشارية، فاضطر إلى التنازل عن العرش لابنه سليم الاول سنة 1512م، ثم غادر متجها إلى ديموتوكة، لكنه توفي في الطريق في السادس والعشرين من مايو من العام نفسه، عن عمر بلغ اربعة وستين عاما، ونقل جثمانه إلى اسطنبول حيث دُفن بجوار الجامع الذي يحمل اسمه، ليطوى بذلك فصل طويل من تاريخ سلطان جمع بين القوة والورع، وترك وراءه قصة صراع لا تنسى بين اخوين مزقتهما السلطة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى