حائط الصواريخ ملحمة الإرادة التي أغلقت السماء وكتبت بداية النصر
في عام 1968، وفي لحظة حاسمة من تاريخ العسكرية المصرية، صدر القرار الجمهوري رقم 199، وأعلن قيام قوات الدفاع الجوي المصرية كفرع رابع مستقل داخل القوات المسلحة، وجاء هذا القرار استجابة لحاجة ملحة فرضتها ظروف المعركة، حيث واجهت مصر تحديات خطيرة في سمائها، وبدأت مرحلة جديدة عنوانها حماية الأرض من السماء.
قصة حائط الصواريخ
عانت السماء المصرية في تلك الفترة من غارات جوية متواصلة، ونفذ العدو هجمات مكثفة مستخدما طائرات حديثة مثل الفانتوم والسكاي هوك، وامتلك تفوقا تقنيا واضحا مقارنة بما توفر لدى مصر في ذلك الوقت، لكن الإرادة المصرية لم تتراجع، وبدأت في البحث عن حل يغير موازين القوة ويعيد التوازن إلى ساحة القتال.
خلال أقل من أربعين يوما، بدأ المصريون تنفيذ مشروع دفاعي ضخم عرف لاحقا باسم حائط الصواريخ، وأقاموا شبكة متكاملة شملت مدافع مضادة للطائرات، وصواريخ ارض جو، ورادارات حديثة، وأنظمة إنذار مبكر، إلى جانب مراكز قيادة موحدة تأسست عام 1970 لتنسيق العمليات بدقة عالية، وظهر هذا الحائط كدرع حقيقي يحمي الجبهة.
اعتمدت الخطة على إنشاء قواعد لصواريخ سام على طول الجبهة، لتشكيل نطاق دفاعي يمنع اقتراب الطيران المعادي لمسافة محددة، ثم تحريك هذا النطاق تدريجيا إلى الأمام، خطوة بعد خطوة، في تقدم محسوب يجمع بين الحذر والثبات، ونجح هذا الأسلوب في فرض واقع جديد على مسرح العمليات.
تنبهت اسرائيل مبكرا لخطورة هذا المشروع، فدعمتها الولايات المتحدة بطائرات الفانتوم لتعزيز قوتها الجوية، وخلال عامي 1969 و1970 شنت هجمات مكثفة لاستهداف مواقع الصواريخ قبل اكتمالها، وسقط العديد من العمال المصريين اثناء البناء، لكن المصريين استمروا في العمل، وكانوا يعيدون بناء ما تهدم، واكتسبوا خبرات ميدانية مباشرة من قلب المعارك.
جاء يوم 30 يونيو 1970 ليشكل نقطة تحول كبيرة، حيث نجحت قوات الدفاع الجوي في اسقاط طائرتين فانتوم وطائرتين سكاي هوك، وأسر ثلاثة طيارين، واعتبر هذا الحدث بداية انهيار اسطورة التفوق الجوي، ثم تتابعت النجاحات، ووصل عدد الطائرات التي سقطت خلال اسبوع واحد إلى اثنتي عشرة طائرة، واطلق على تلك الفترة اسم اسبوع تساقط الفانتوم.
في يناير 1970، توجه الرئيس جمال عبد الناصر إلى موسكو، وطلب دعما عسكريا لتعزيز قدرات الدفاع الجوي، واستجابت القيادة السوفيتية، وارسلت صواريخ سام 3 ورادارات متطورة، فازدادت قوة الحائط، واصبح اكثر صلابة، ومع هذا الدعم امتزجت التكنولوجيا بالعزيمة المصرية، وظهر نظام دفاعي متكامل يصعب اختراقه.
حاولت اسرائيل مرارا كسر هذا الحائط، لكنها واجهت مقاومة قوية، واصبح التقدم الجوي مكلفا، حتى عبرت جولدا مائير عن غضبها من انتشار الصواريخ على طول الجبهة، وبدأت ملامح التغير تظهر بوضوح في ميزان القوة.
مع اندلاع حرب اكتوبر 1973، خاض حائط الصواريخ الاختبار الاكبر، وحاول الطيران المعادي تكرار سيناريو التفوق السابق، لكنه اصطدم بشبكة دفاعية محكمة تضم صواريخ ومدافع ومقاتلات ورادارات مترابطة، وفي اليوم الرابع من القتال، اقر موشيه ديان بعدم قدرة الطيران على اختراق هذا الحائط، وتحدثت الصحافة العالمية عن سقوط اسطورة التفوق الجوي.
منذ تلك اللحظة، تغيرت قواعد المعركة، ولم تعد السماء مفتوحة امام اي قوة دون خسائر، واصبح الدفاع الجوي المصري نموذجا يحتذى به في بناء منظومات الحماية، واستمرت القوات في تطوير قدراتها، وامتلكت انظمة حديثة قادرة على مواجهة التهديدات المختلفة بكفاءة عالية.
في قلب هذه الملحمة، برز اسم المشير محمد علي فهمي، الذي قاد بناء هذا الحائط، وولد عام 1920، وتخرج في الكلية الحربية عام 1939، وشارك في الحرب العالمية الثانية، ثم تولى قيادة الدفاع الجوي عام 1969، ونجح في تنفيذ خطة اسهمت في تغيير مسار الحرب، وحصل على تكريمات عديدة، ثم رقي إلى رتبة المشير، وظل اسمه مرتبطا بهذا الانجاز الكبير.
كما برز دور البطل مصطفى نصار، قائد الكتيبة 411، الذي تخرج عام 1959، وامتلك خبرة كبيرة في تشغيل صواريخ سام 2، وقاد وحدته خلال حرب اكتوبر، وتمكن من اسقاط خمس عشرة طائرة خلال ستة ايام فقط باستخدام عدد محدود من الصواريخ، واصيب اثناء القتال، لكنه استمر في موقعه حتى نهاية المعركة، ونال تكريما تقديرا لشجاعته.
تجسد قصة حائط الصواريخ معنى الارادة الحقيقية، حيث واجهت مصر تحديات ضخمة، لكنها صنعت من الصمود قوة، ومن التخطيط نصرا، وكتبت صفحة مضيئة في تاريخها العسكري، اكدت فيها ان العزيمة قادرة على تغيير الواقع، وان السماء يمكن حمايتها حين تتوحد الارادة مع العلم والعمل.



