بين الأسطورة والتاريخ.. هل جلجامش هو الملك النمرود؟

أميرة جادو
يذهب بعض الباحثين إلى طرح احتمال أن يكون جلجامش هو ذاته الملك النمرود، وأن الاسمين يعودان إلى شخصية واحدة حملت تسميات مختلفة في مصادر متباينة، وقد طرحت هذه الفكرة بالفعل في عدد من الدراسات القديمة والحديثة باعتبارها فرضية قابلة للبحث والنقاش، لا باعتبارها حقيقة تاريخية محسومة.
اختلاف المصدر والسياق
وتوضح الموسوعات المرجعية أن جلجامش يرد في تراث بلاد الرافدين بوصفه ملكًا لمدينة أوروك وشخصية ملحمية ذات أصل تاريخي محتمل، ارتبطت به واحدة من أقدم الملاحم المعروفة في تاريخ الإنسانية.
وفي المقابل، يظهر النمرود في التقليد التوراتي باعتباره «جبارًا» أو «صيادًا جبارًا»، ارتبط اسمه ببدايات تأسيس المدن في أرض شنعار، ومن ثم فإن كلا الشخصيتين تنتميان إلى سياقين نصيين مختلفين من حيث الطبيعة والوظيفة والرواية، وهو ما يجعل المطابقة المباشرة بينهما أمرًا إشكاليًا من الناحية المنهجية.
من طرح الفرضية؟
كما تسجل الأدبيات البحثية أسماء عدد من الدارسين الذين ناقشوا إمكانية الربط بين الشخصيتين في إطار البحث الأكاديمي:
الباحث E. G. H. Kraeling في مقاله The Origin and Real Name of Nimrod الصادر عام 1922، تناول احتمالات متعددة لأصل شخصية النمرود، وأشار إلى اتجاهات بحثية ربطته بجلجامش.
كما بحث E. A. Speiser في مقاله In Search of Nimrod عام 1958 في الخلفية التاريخية لشخصية النمرود، وناقش ضمن سياق أوسع من الفرضيات المقارنة إمكانية صلته بشخصيات ميزوبوتامية، ومن بينها جلجامش.
واستعرض Yigal Levin في دراسته Nimrod the Mighty, King of Kish… الصادرة عام 2002 تاريخ هذه الفرضيات، موضحًا أن النظر إلى النمرود كشخصية أسطورية على غرار جلجامش كان حاضرًا في بعض المدارس البحثية، من دون أن يتحول إلى رأي مجمع عليه.
بين التشابه والهوية
تشير دراسات حديثة في تاريخ تلقي ملحمة جلجامش إلى أن محاولات المطابقة بين شخصيات الشرق الأدنى القديم كانت أكثر شيوعًا في مراحل سابقة من البحث العلمي، إلا أن المقاربات المعاصرة تميل إلى قدر أكبر من الحذر المنهجي، مع التفريق الواضح بين التشابه في البناء السردي والرمزي من جهة، وإثبات الهوية التاريخية من جهة أخرى.
وعليه، فإن فكرة التطابق بين جلجامش والنمرود قد طُرحت فعلًا وناقشها باحثون معروفون في حقل الدراسات التوراتية وتاريخ بلاد الرافدين والميثولوجيا المقارنة، غير أن النتيجة الأكاديمية الراجحة حتى الآن تؤكد غياب دليل حاسم يثبت أن الشخصيتين واحدة. والأدق علميًا هو الحديث عن احتمالات تقاطع أو تأثر ثقافي، لا عن تطابق تاريخي مؤكد.



