تاريخ ومزارات

الفراض يوم اصطدمت الامبراطوريتان تحت سيف خالد وسقطتا معا

الفراض، على ارض العراق الممتدة حيث يجري نهر الفرات شريان حياة ومصير في وقت واحد، تقدم القائد الفذ خالد بن الوليد سيف الله المسلول بجيش صغير في عدده عظيم في عزيمته لم يتجاوز ثمانية عشر الف مقاتل، وخلال اشهر قليلة حطم جيوش الفرس المتعاقبة في سلسلة من المعارك الخالدة مثل ذات السلاسل والمذار والولجة واليس التي عرفت بنهر الدم وعين التمر والحصيد، وفتح الحيرة والانبار والابلة التي صارت فيما بعد البصرة ودومة الجندل، حتى بدا الطريق مفتوحا امامه نحو قلب الدولة الساسانية، واعتقد كثيرون ان العراق صار صفحة مطوية من تاريخ الفرس.

قصة الفراض

لكن الفرس لم يقبلوا الهزيمة، فبعدما فقدوا كبار قادتهم وتفرقت جموعهم، اعادوا تنظيم صفوفهم في منطقة الخنافس قرب الانبار، وبثوا الخوف في نفوس اهلها حتى ضعف حماسهم لنصرتهم، وفي ليلة حالكة انسحب بعضهم نحو المصيخ بحثا عن ملاذ جديد، فلم يمهلهم خالد فرصة لاستعادة الانفاس، بل جمع قادته وخطط لهجوم مباغت من ثلاثة محاور، فانقض عليهم بسرعة مذهلة يوم التاسع عشر من شعبان سنة اثنتي عشرة للهجرة، فانهار دفاعهم في اقل من ساعتين وسقطت المصيخ تحت ضرباته.

 

واصل خالد تقدمه فانتصر في الثني والزميل والرضاب، وامن ظهر جيشه ومؤخرته بحنكة واضحة، وادرك ان تثبيت الامان في الخلف لا يقل اهمية عن التقدم في الامام، فرتب خطوطه بعناية واغلق كل ثغرة يمكن ان ينفذ منها خصم مباغت، فصار يتحرك بثقة قائد يعرف قيمة التخطيط قبل خوض المعارك الكبرى.

 

وصلت اخبار هذه الانتصارات المتلاحقة إلى مسامع الروم في الشام، فشاهدوا سقوط الفرس امام جيش قليل العدد شديد الباس، فخافوا على نفوذهم ومصالحهم، وهنا تشكل تحالف لم تعرفه المنطقة من قبل، اذ التقت مصالح الفرس مع البيزنطيين وانضم اليهم نصارى العرب من تغلب واياد والنمر، واختاروا الفراض موقعا للمواجهة وهو مكان التقاء نفوذ الامبراطوريتين اللتين طالما تنافستا، فجمعوا جيشا ضخما قيل انه بلغ مئتي الف مقاتل او يزيد في مواجهة جيش المسلمين القليل.

 

سبق خالد خصومه إلى الفراض واقام هناك طوال شهر رمضان من السنة نفسها، وافطر هو وجنوده حتى يحافظوا على قوتهم واستعدادهم القتالي، وجمع في قراره بين فهمه لاحكام الدين وادراكه لضرورات الحرب، وانتظر قدوم التحالف الكبير وهو واثق من رجاله وخطته.

 

وصلت جيوش الروم والفرس واصطفت على ضفتي الفرات، وطلب قادتهم من خالد ان يعبر اليهم ليقاتل في ارضهم، لكنه رفض بهدوء حازم وطلب منهم ان يعبروا هم إلى اسفل موقعه، فتردد الفرس بعدما خبروا شدة مواجهته في معارك سابقة، غير ان حماسة الروم ونصارى العرب دفعتهم إلى العبور، فاجتازوا النهر وبدؤوا تنظيم صفوفهم ببطء واضح ظنا منهم ان كثرتهم تكفي لحسم المعركة.

 

في تلك اللحظة الحاسمة اصدر خالد امره بالهجوم المتواصل دون منح العدو فرصة لالتقاط الانفاس، فانطلقت خيول المسلمين كالسيل الجارف تضرب قبل ان تكتمل صفوف الخصوم، وحاول الروم تمييز مواقع قواتهم ومعرفة اتجاه الضربات فازداد ارتباكهم وتفككت صفوفهم، واشتعلت ارض الفراض بمعركة عنيفة سقط فيها الالاف، وتذكر الروايات ان عشرات الالاف من التحالف قتلوا في القتال والمطاردة، وخلد القعقاع بن عمرو ذكرى اليوم بابياته التي تحدث فيها عن لقاء جموع الروم والفرس وكيف اباد المسلمون جمعهم حتى تفرقوا كالاغنام في الفلاة.

 

مثلت معركة الفراض خاتمة انتصارات خالد في العراق، وبعدها توجه إلى الشام ليخوض مواجهة جديدة مع الروم في اليرموك، وترك خلفه سيرة قائد جمع بين جرأة السيف وبراعة العقل، وما زال مؤرخون غربيون مثل William Muir يقفون امام هذه الوقائع بدهشة واضحة، اذ انتصرت قلة منظمة على جموع متحالفة لا بقوة العدد بل بقوة الايمان وحسن التخطيط ووضوح القيادة، فبقيت الفراض شاهدا على يوم التقت فيه امبراطوريتان كبيرتان تحت راية واحدة ثم سقطتا امام تصميم جيش صغير لا يعرف التراجع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى