عادات و تقاليد

عادة المسحراتي.. مهنة رمضانية تحافظ على روح الجماعة في ليالي الشرق الأوسط

أسماء صبحي – تعد عادة المسحراتي واحدة من أقدم وأشهر التقاليد الشعبية في عدد كبير من دول الشرق الأوسط. حيث ارتبط ظهوره بشهر رمضان المبارك منذ قرون طويلة، ليصبح رمزا روحيا واجتماعيا يعكس خصوصية الشهر الكريم وأجواءه المميزة. ورغم التطور التكنولوجي وانتشار الهواتف الذكية والمنبهات الحديثة، ما زالت شخصية المسحراتي تحافظ على حضورها في شوارع العديد من المدن العربية. خاصة في مصر وسوريا وفلسطين ولبنان وبعض مناطق الخليج.

وتعكس هذه العادة التراثية مزيجا من القيم الدينية والاجتماعية. اذ لا يقتصر دور المسحراتي على ايقاظ الناس لتناول وجبة السحور، بل يتجاوز ذلك ليصبح جزءا من ذاكرة الطفولة والوجدان الجمعي لدى المجتمعات العربية.

جذور عادة المسحراتي

تشير المصادر التاريخية الى ان المسحراتي ظهرت في العصور الاسلامية المبكرة، حيث كان الناس يعتمدون على اشخاص يجوبون الشوارع ليلا لايقاظ الصائمين قبل الفجر. وتذكر روايات تاريخية ان هذه العادة انتشرت بشكل واسع خلال العصر الفاطمي في مصر. عندما كان المؤذنون او بعض المتطوعين يمرون على البيوت وهم ينادون الناس للسحور.

ومع مرور الزمن، تحولت هذه المهمة الى مهنة شعبية لها طقوسها الخاصة. حيث يحمل المسحراتي طبلة صغيرة او يطرق على الطبول وينادي بعبارات تقليدية مميزة مثل “اصحى يا نايم وحد الدايم” او يذكر اسماء افراد العائلات في الحي، ما يعزز شعور الالفة والانتماء بين السكان.

طقوس مميزة في ليالي رمضان

يخرج المسحراتي عادة بعد منتصف الليل وحتى قبيل اذان الفجر، مرتديا زيا شعبيا تقليديا يعكس التراث المحلي. ويعتمد في اداء مهمته على الطبول او الدفوف وصوته المرتفع الذي يجوب به الشوارع والازقة.

وفي كثير من الاحياء الشعبية، يعرف المسحراتي سكان الحي بالاسم، فينادي عليهم بشكل شخصي، الامر الذي يضفي طابعا انسانيا دافئا على هذه العادة. كما يتلقى في نهاية شهر رمضان مكافآت رمزية من الاهالي، سواء كانت اموالا بسيطة او هدايا تعبيرا عن الامتنان.

ولا يقتصر دور المسحراتي على ايقاظ الناس فقط، بل يتحول احيانا الى وسيلة ترفيهية. خاصة للاطفال الذين ينتظرون مروره للاستماع الى اناشيده الرمضانية ومشاركته الاهازيج الشعبية.

المسحراتي بين الماضي والحاضر

مع انتشار التكنولوجيا الحديثة ووجود المنبهات الرقمية، تراجع دور المسحراتي في بعض المدن الكبرى، لكنه لم يختف تماما. فما زالت كثير من الاحياء تحافظ على وجوده باعتباره جزءا من الطقوس الرمضانية الاصيلة.

وفي بعض الدول، اصبح المسحراتي يظهر ضمن فعاليات ثقافية وسياحية خلال شهر رمضان. حيث تحرص البلديات والمؤسسات الثقافية على احياء هذا التقليد للحفاظ على الهوية التراثية وتعريف الاجيال الجديدة به.

كما ساعدت وسائل الاعلام ومواقع التواصل الاجتماعي في اعادة الاهتمام بهذه المهنة التراثية. اذ تنتشر مقاطع فيديو للمسحراتي في عدد من الدول العربية، ما يعكس تمسك المجتمعات بجزء من ماضيها الثقافي.

ويرى مختصون في التراث الشعبي ان المسحراتي يمثل نموذجا حيا للذاكرة الجماعية في المجتمعات العربية، اذ يجمع بين الوظيفة الدينية والدور الاجتماعي والثقافي.

وفي هذا السياق يقول الدكتور أحمد زكي، الباحث في الانثروبولوجيا الثقافية، إن عادة المسحراتي ليس مجرد شخص يوقظ الناس للسحور، بل هو رمز لروح الجماعة في المجتمعات العربية. وجوده في الشارع يعزز الشعور بالتواصل بين الجيران ويعيد احياء القيم التقليدية مثل التعاون والالفة، كما يسهم في نقل التراث الشفهي من جيل الى آخر.

ويؤكد ان استمرار هذه العادة رغم التغيرات الحديثة يعكس حاجة المجتمعات الى الحفاظ على رموزها الثقافية التي تمنحها هوية مميزة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى