وطنيات

هبة سليم.. حكاية أخطر جاسوسة كادت تغير مصير حرب أكتوبر

أسماء صبحي – في ذاكرة اللواء محسن السرساوي مساعد وزير الداخلية الأسبق ومدير مصلحة السجون السابق، تمر عشرات الشخصيات التي عاصرها خلال مسيرته الطويلة. لكن تبقى قصة واحدة الأكثر إثارة وخطورة: قصة هبة عبدالرحمن سليم عامر، المعروفة إعلاميًا باسم هبة سليم. والتي اعتبرت واحدة من أخطر الجواسيس الذين نجح جهاز الموساد الإسرائيلي في تجنيدهم ضد مصر.

خطورتها لم تكن عادية، بل وصلت – بحسب ما نقل عن المشير أحمد إسماعيل – إلى حد أن القبض عليها قبل حرب أكتوبر 1973 كان عاملًا حاسمًا. ولو تأخر سقوطها لكان مصير الحرب مفتوحًا على احتمالات شديدة الخطورة.

هبة سليم

تكشف الروايات أن مستوى المعلومات التي كانت تنقلها هبة بلغ درجة جعلت وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك، موشي ديان، يسافر بنفسه إلى باريس للقاءها والاستماع إلى ما تحمله من أسرار عسكرية حساسة.

كانت المعلومات التي تحصل عليها تمس مواقع استراتيجية خاصة قواعد الصواريخ التي كانت القوات المسلحة المصرية تعمل على إنشائها. وبسبب ما نقلته، كانت الطائرات الإسرائيلية تستهدف تلك المواقع فور اكتمالها تقريبًا. مما أدى إلى خسائر جسيمة وأثار علامات استفهام خطيرة داخل المؤسسة العسكرية المصرية.

من باريس إلى شبكة تجسس خطيرة

بدأت القصة عندما سافرت هبة إلى باريس للدراسة.وهناك تم تجنيدها من قبل الموساد. فلم تعتمد على الجمال وحده، بل كانت تتمتع بذكاء حاد وقدرة لافتة على الإقناع والمراوغة. واعتمدت على شبكة علاقاتها وكان أبرز من استدرجته المقدم مهندس صاعقة فاروق عبدالحميد الفقي. الذي كان يشغل موقعًا مهمًا في سلاح الصاعقة مطلع السبعينيات.

استغلت هبة عاطفته تجاهها وحولته إلى مصدر معلومات بالغ الخطورة ينقل لها تفاصيل تتعلق بخطط عسكرية ومواقع دفاعية. وكانت الثقة التي منحها لها كاملة، ولم يتخيل رؤساؤه في البداية أن ضابطًا في موقعه يمكن أن يسقط في هذا الفخ.

وحين تأكدت خيانته، كانت الصدمة قاسية لدرجة أن قائده تقدم باستقالته قبل أن يقنع بالعدول عنها. مشترطًا المشاركة في تنفيذ حكم الإعدام عليه بنفسه باعتباره عسكريًا خان شرفه العسكري.

عملية الاستدراج

لم يكن القبض على هبة سليم مهمة سهلة. فقد ظلت لفترة طويلة خارج البلاد وتحديدًا في باريس حيث كانت تشعر بالأمان الكامل. لعب السفير فخري عثمان دورًا محوريًا في عملية استدراجها مستفيدًا من معرفته السابقة بها. ومن شبكة علاقاته التي مكنته من إقناعها بالسفر إلى طرابلس بدعوى مرض والدها الشديد ورغبته في رؤيتها. ومن هناك، تم نقلها إلى مصر لتواجه التحقيق والمحاكمة.

وداخل سجن القناطر، كانت شخصية هبة مثار دهشة الجميع. ويروي اللواء السرساوي أنه طوال خدمته لم ير فتاة في الخامسة والعشرين من عمرها تمتلك هذا القدر من الذكاء والقدرة على المراوغة والوعي. ولم تكن فائقة الجمال، لكنها كانت تمتلك حضورًا طاغيًا وسحرًا خاصًا وثقة بالنفس لم تتزعزع حتى اللحظات الأخيرة.

طلب عفو رئاسي

في تطور لافت، تشير الروايات إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق مناحم بيجين طلب خلال أحد لقاءاته مع الرئيس أنور السادات إصدار عفو رئاسي عن هبة سليم باعتبار ذلك “بادرة حسن نية”.

كان رد السادات مفاجئًا، إذ أشار إلى أن حكم الإعدام قد نفذ بالفعل رغم أن التنفيذ لم يكن قد تم بعد. لكن عقب هذا اللقاء، صدر قرار رئاسي بتعجيل تنفيذ الحكم.

في صباح يوم التنفيذ، دخل مسؤولو السجن لإبلاغها بأنها مطلوبة بخصوص الالتماس الذي تقدمت به. واستقبلت الخبر بسعادة وثقة معتقدة أن الموساد لن يتخلى عنها، وأن الضغوط الدولية سوف تؤدي إلى الإفراج عنها. حتى أنها خاطبت اللواء السرساوي قائلة بثقة: “ألم أقل لك إنني سأخرج من هنا إلى المطار؟”.

لكن عندما وصلت إلى سجن الاستئناف ورأت مشهد التنفيذ انهارت الثقة فجأة. وبدأت تتساءل في ذهول عن منظمات حقوق الإنسان، وعن رئيس الجمهورية، وعن موشي ديان، وعن جهاز الموساد الذي كانت تؤمن أنه لا يترك من يعملون لصالحه.

بين الحقيقة والدراما

جسدت السينما المصرية جانبًا من هذه القصة في فيلم “الصعود إلى الهاوية” بطولة مديحة كامل ومحمود ياسين وإخراج كمال الشيخ. حيث استلهم العمل أحداثًا قريبة من عملية استدراج الجاسوسة وسقوطها. ورغم الطابع الدرامي للفيلم، فإن الواقع – كما يرويه من عاصروه – لم يكن أقل إثارة أو خطورة.

نهاية واثقة لم تتوقع السقوط

يختتم اللواء محسن السرساوي روايته بمشهد يعكس مفارقة مؤلمة. فما إن أعلن تنفيذ حكم الإعدام داخل سجن القناطر، حتى اندلع صراع بين السجينات والسجانات على متعلقاتها الشخصية من عطور وأدوات تجميل وباروكات. في مشهد عبثي يعكس كيف تحولت “أخطر جاسوسة” إلى مجرد ذكرى خلف أسوار السجن.

كانت هبة سليم واثقة حتى اللحظة الأخيرة أن إسرائيل لن تتركها وأن المقصلة لن تقترب من رقبتها. لكنها انتهت إلى مصير يؤكد أن الخيانة – مهما بلغت براعتها – تظل مقامرة خاسرة. وأن الأسرار التي كادت تغير مسار حرب بأكملها سقطت قبل أن يتحقق أخطر سيناريو كان يمكن أن تواجهه مصر في أكتوبر 1973. جاء ذلك نقلًا عن المقاتل محمد السيد حجازى أحد أبطال سلاح المهندسين العسكريين فى حرب أكتوبر المجيدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى