جعفر بن ابي طالب الطيار شهيد العقيدة وراية الاسلام في مؤتة

يعد جعفر بن ابي طالب واحدا من اعظم رموز التضحية في التاريخ الاسلامي، فهو ابن عم النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ومن اوائل من دخلوا الاسلام، ورجل جمع بين الرحمة والشجاعة والحكمة، حتى استحق ان يخلده التاريخ بلقب الطيار، ذلك اللقب الذي ارتبط باستشهاده العظيم في معركة مؤتة، فصار نموذجا خالدا للعطاء بلا حدود.
من هو جعفر بن ابي طالب
ولد جعفر بن عبد مناف بن عبد المطلب الهاشمي في مكة المكرمة قبل الهجرة بست وثلاثين عاما، ونشأ في بيت عرف بالشرف والمكانة، وكان شديد الشبه برسول الله صلى الله عليه وسلم خلقا وخلقا، حتى احبه الناس واطمأنوا اليه، ولقبه النبي بابي المساكين لكثرة احسانه الى الفقراء ورعايته لهم.
اسلم جعفر في وقت مبكر جدا من الدعوة، قبل ان يتخذ رسول الله دار الارقم مركزا لدعوته، فكان من السابقين الاولين، ولم يتردد في اعلان ايمانه رغم ما لاقاه المسلمون من اذى، فثبت مع اخيه علي رضي الله عنه، وحمل هم الدعوة منذ بدايتها.
تزوج جعفر من الصحابية الجليلة اسماء بنت عميس رضي الله عنها، ورزقه الله منها ثلاثة من الابناء هم عبد الله ومحمد وعون، وكان عبد الله بن جعفر علما من اعلام الكرم في الاسلام، حتى صار اسمه يذكر مقرونا بالكرم كما يذكر حاتم الطائي في الجاهلية.
وحين اشتد الاذى على المسلمين في مكة، كان جعفر في طليعة من هاجروا الى الحبشة، بل قاد جماعة المهاجرين هناك، فكان خير سفير للاسلام، وحين حاول عمرو بن العاص ان يسترد المهاجرين الى قريش عبر الضغط على النجاشي، وقف جعفر بثبات، وشرح عقيدة الاسلام بوضوح وحكمة، وتلا من القران ما هز قلب النجاشي، فرفض تسليم المسلمين، وكان ذلك الموقف سببا في حماية الدعوة خارج مكة، ونقطة تحول مهمة في انتشار الاسلام.
عاد جعفر من الحبشة الى المدينة المنورة في السنة السابعة للهجرة، تزامنا مع فتح خيبر، فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن عمه بفرحة عظيمة، حتى قال كلمته المشهورة انه لا يدري بايهما يفرح اكثر بفتح خيبر ام بقدوم جعفر، وهو ما يعكس المكانة الخاصة التي كان يحتلها جعفر في قلب النبي.
وفي السنة الثامنة للهجرة، جاءت اللحظة الفاصلة في حياة جعفر، حين خرج جيش المسلمين الى معركة مؤتة لمواجهة الروم، وهي اول مواجهة مباشرة مع قوة عظمى في ذلك الزمان، وعين رسول الله ثلاثة قادة بالترتيب زيد بن حارثة، ثم جعفر بن ابي طالب، ثم عبد الله بن رواحة، وكأن القدر كان يعد هؤلاء الابطال للشهادة.
استشهد زيد بن حارثة، فتقدم جعفر وحمل راية المسلمين، فصار هدفا مباشرا للرماح والسيوف، فقاتل بشجاعة نادرة، يحمل الراية بيد ويضرب بالاخرى، وحين قطعت يده امسك الراية بيده الثانية، فلما قطعت امسكها بعضديه، وظل ثابتًا حتى سقط شهيدا بعد ان تلقى قرابة تسعين جرحا، فارتقى شهيدا وهو يدافع عن راية الاسلام حتى اخر لحظة.
وبعد استشهاده، بشر النبي محمد صلى الله عليه وسلم جعفرا بكرامة عظيمة، فقال انه رآه يطير في الجنة بجناحين بدل يديه اللتين قطعتا في سبيل الله، فلقبه بالطيار، وبقي هذا اللقب شاهدا على عظيم منزلته عند الله ورسوله.
وعندما عاد الجيش الى المدينة بقيادة خالد بن الوليد، تأثر النبي صلى الله عليه وسلم بشدة، وطلب ابناء جعفر وهم صغار، فضمهم اليه، وبكى رحمة ووفاء، وامر برعايتهم، في مشهد انساني يعكس عمق العلاقة بين النبي وابن عمه الشهيد.



