تاريخ ومزارات

من أسطورة الصانع الباكي إلى المواويل والأشعار.. القلة القناوي تحكي سيرة الفخار المصري

أميرة جادو

للفخار في مصر حكايات وأساطير متوارثة، لعل أشهرها أسطورة «صانع القلة الباكي»، التي تروي أن الصانع حين نضب الزيت بكى، فامتزجت دموعه بالماء الذي شكل به القلة، وقد حضر الفخار بقوة في الوجدان الشعبي عبر الأغاني والأشعار، فغنى له ابن عروس وعلى النابي، وخلده سيد درويش في أغنيته الشهيرة «مليحة قوي القلة القناوي».

خنوم.. الخالق من الصلصال

ومن الأسطورة الشعبية ننتقل إلى المعتقدات الفرعونية، حيث ارتبطت صناعة الفخار بالإله خنوم، إله الفخار وخالق البشر من الطين.

وقد صوره المصريون القدماء جالسًا أمام عجلة الفخار، في مشهد يكاد يتطابق مع ما يستخدمه صانع الفخار المصري حتى اليوم، بالعجلة ذاتها تقريبًا.

الدولاب الفرعوني الأول

كما يعتبر الدولاب الخشبي أداة أساسية في تشكيل القلل من عجين الصلصال، ويرجع استخدامه إلى الأسرة الفرعونية الأولى.

وفي هذا الإطار، أكد الباحث الدكتور جمال كمال الدين، أستاذ الجيولوجيا بجامعة جنوب الوادي بقنا، في دراسة عن الفخار، أن بدايات هذه الصناعة تعود إلى حضارة نقادة الأولى خلال الفترة من 4500 إلى 4000 قبل الميلاد.

أسرار التشكيل والحريق

إلى جانب مهارة يد الفواخري، يأتي دور الدولاب في تشكيل القطعة، بينما يسمح التنور الواحد بإنتاج نحو 6 آلاف قلة صغيرة و3 آلاف قلة كبيرة.

وترص الأواني بعناية تبدأ بالأحجام الصغيرة في الأسفل ثم الأكبر تدريجيًا في الطبقات العليا، وتغطى بقطع فخار مكسور من بقايا الحريق السابق، تعلوها طبقة من الوقود الناعم المندى بالماء، ليشعل أثناء الحريق، فيضمن احتراق الطبقات العليا وتوزيع النار بشكل متساوي.

القلة بين الحكمة والأنوثة

كان الفراعنة يصورون الإله تحوت، إله الحكمة، في هيئة طائر أبو قردان صديق الفلاح، وكانوا يحنطونه داخل إناء فخاري يشبه القلة، ما جعلها رمزًا للحكمة في المعتقدات الشعبية.

غير أن ارتباط القلة بالأنثى في صعيد مصر ظل الأكثر حضورًا، لذا لا يخلو احتفال السبوع بالمولودة الأنثى من القلة، في حين يستخدم الإبريق رمزًا للمولود الذكر.

أسماء لا تنتهي ومكانة عالمية

كما أن هناك العديد من المسميات القلل لدى الصناع، فتعرف بأسماء مثل: الحلوة، والزعنونة، والأمورة، وقصدية.

وقد منح هذا التنوع في الأسماء والأنواع القلة المصرية، ولا سيما القناوية، مكانة خاصة عالميًا، حتى تجاوز استخدامها تبريد المياه إلى توظيفها في البناء، حيث شيدت بها مباني كاملة قديمًا.

مهنة على حافة الاندثار

وفي سياق متصل، أشار الدكتور محمد سعد عبد الله، أحد الباحثين المتخصصين في دراسة مجتمع الفواخرية، إلى أن محافظة قنا كانت تضم حتى وقت قريب نحو 500 صانع من أمهر الصناع، إضافة إلى 1500 شيال وعجان وحراق، إلا أن أعدادهم تقلصت بشكل كبير، حتى باتوا يعدون على أصابع اليد، ما جعل مهنة الفخار، بكل أنواعها من قلل وأزيار وبلاليص، تواجه خطر الانقراض، إلى جانب كونها من أفقر المهن حاليًا.

طقوس العلاج والتبريد

كما ارتبطت القلة القناوي بطقوس خاصة، إذ لا يزال الصناع يوصون بكبسها بالملح قبل الاستخدام لتبريد المياه، لما للملح من دور في منع دخول الحشرات، كما يزخر الطب الشعبي في الصعيد بوصفات علاجية تعتمد على القلة، من بينها علاج عقر الكلب المسعور، حيث ينصح المريض بتناول تمر مغموس في زيت الأديرة المعتق، يوضع داخل قلة ويشرب منها حتى تمام الشفاءن وقد عبرت شهرة القلة الآفاق، ليغني لها سيد درويش: «مليحة قوي القلة القناوي».

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى