معركة الولجة المواجهة التي كسرت هيبة الفرس في العراق
تعد معركة الولجة واحدة من أبرز المعارك التي جرت بين المسلمين والفرس في العام الثاني عشر للهجرة، ووقعت على تخوم العراق في عهد الخليفة أبي بكر الصديق، ضمن المسار المتصاعد للفتوح الإسلامية باتجاه بلاد فارس، وقد مثلت هذه المعركة محطة مفصلية أكدت قدرة المسلمين على مواجهة واحدة من أعظم إمبراطوريات عصرها وتحقيق نصر حاسم رغم الفارق العددي الكبير.
تاريخ معركة الولجة
قاد الجيش الإسلامي في معركة الولجة القائد خالد بن الوليد، بينما تولى قيادة الفرس الأندرزغر حاكم خراسان وأحد قادة كسرى أردشير، وانتهت المواجهة بانتصار ساحق للمسلمين، الأمر الذي أحدث صدمة قوية داخل المعسكر الفارسي، ورسخ مكانة خالد بن الوليد كأحد أعظم القادة العسكريين في التاريخ الإسلامي.
بدأت خلفية المعركة مع تولي أبي بكر الصديق الخلافة، حيث واجهت الدولة الإسلامية في بداياتها تحديات جسيمة تمثلت في ارتداد عدد من القبائل العربية عن الإسلام، ما أدى إلى توقف مؤقت لحركة الفتوح التي انطلقت في عهد النبي، غير أن أبا بكر حسم أمره سريعًا، فأنفذ بعث أسامة بن زيد، ثم قاد بنفسه مواجهة فتنة الردة حتى أعاد الاستقرار إلى الجزيرة العربية.
وبعد أن أخضع أبو بكر القبائل المتمردة، كتب إلى خالد بن الوليد يأمره بجمع قواته في اليمامة وما حولها، والتوجه إلى العراق للالتحاق بالمثنى بن حارثة الشيباني، الذي كان قد سبق بجند من قومه بإذن من الخليفة، مستفيدًا من حالة الاضطراب التي ضربت الإمبراطورية الفارسية في تلك المرحلة.
شهدت الدولة الفارسية آنذاك صراعات داخلية حادة بعد وفاة الإمبراطور أنوشروان، ثم تولي حفيده شيرويه الحكم، والذي قتل أباه وعددًا كبيرًا من إخوته لتثبيت سلطته، قبل أن يُقتل هو الآخر بعد أشهر قليلة، ما فاقم النزاعات الداخلية وأضعف قبضة الدولة، وصولًا إلى عهد يزجرد آخر ملوك الساسانيين.
سبقت معركة الولجة عدة مواجهات عسكرية انتصر فيها المسلمون على الفرس، أبرزها معركة ذات السلاسل في كاظمة، ثم معركة المذار التي قُتل فيها عشرات الآلاف من الجنود الفرس، وأسهمت هذه الانتصارات المتتالية في فتح الطريق أمام المسلمين للتوغل داخل العراق، ومهدت لاحقًا للمعركة الكبرى في القادسية التي غيرت موازين القوى في المنطقة.
تأثر الإمبراطور الفارسي بشدة بأخبار الهزائم المتلاحقة، خاصة معركة المذار، فأصدر أوامره إلى قادته وحكام الأقاليم بتجميع الجيوش والتوجه لمواجهة خالد بن الوليد، وعين الأندرزغر قائدًا للجيش المتجه إلى سواد العراق، وهي المناطق الواقعة بين دجلة والفرات، ثم أتبعه بجيش آخر بقيادة بهمن بن جاذويه.
نجح الأندرزغر في حشد قوات كبيرة من العرب والفرس خلال مسيره، وعندما شاهد ضخامة الجيش الذي جمعه شعر بالثقة المفرطة، فقرر التقدم فور وصول طلائع الجيش الإسلامي إلى مشارف الولجة، متجاهلًا تمامًا طبيعة الأرض وخطط خالد بن الوليد للمناورة والالتفاف.
في المقابل، اعتمد خالد بن الوليد على شبكة واسعة من العيون من السكان العرب المحليين، نقلت إليه معلومات دقيقة عن تحركات الجيوش الفارسية القادمة من الشمال والغرب، وهو ما أثار قلقه من احتمال وقوع مواجهة مباشرة في أرض مفتوحة، أو التحام فلول الجيوش المهزومة سابقًا بالقواعد الفارسية بين النهرين.
وبالنظر إلى طبيعة أرض الولجة، وهي سهل واسع تحيط به هضبتان ممتدتان، أدرك خالد أنها ساحة مثالية للمناورة، فقرر شن الهجوم من ثلاثة محاور لتفتيت الكتلة الفارسية الكبيرة، وأمر سويد بن مقرن بالبقاء في الحفير لتأمين مؤخرة الجيش وخطوط الإمداد.
كما عيّن خالد بن الوليد عاصم بن عمرو وعدي بن حاتم على جناحي الجيش، وكلف بُسر بن أبي رُهم وسعيد بن مرة العجلي بقيادة قوتين مستقلتين، يتألف كل منهما من ألفي مقاتل، للتسلل خلف خطوط العدو والانقضاض عليه في اللحظة المناسبة، إضافة إلى مراقبة أي تحركات مفاجئة قد تهدد سير المعركة.
بهذه الخطة المحكمة، استطاع خالد بن الوليد أن يحول التفوق العددي الفارسي إلى عبء ثقيل، وأن يفرض إيقاعه على أرض المعركة، لتصبح الولجة واحدة من أذكى المعارك العسكرية في تاريخ الفتوح الإسلامية، ونقطة تحول كبرى في الصراع بين المسلمين والفرس.



